فصل: جواز إخراج الزكاة قبل الحول

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: بداية المجتهد وكفاية المقتصد **


 الفصل الأول في الذهب والفضة‏.‏

-أما المقدار الذي تجب فيه الزكاة من الفضة، فإنهم اتفقوا على أنه خمس أواق لقوله عليه الصلاة والسلام الثابت ‏"‏ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة‏"‏ ما عدا المعدن من الفضة، فإنهم اختلفوا في اشتراط النصاب منه وفي المقدار الواجب فيه، والأوقية عندهم أربعون درهما كيلا‏.‏ وأما القدر الواجب فيه، فإنهم اتفقوا على أن الواجب في ذلك هو ربع العشر‏:‏ أعني في الفضة والذهب معا ما لم يكونا خرجا من معدن‏.‏ واختلفوا من هذا الباب في مواضع خمسة‏:‏ أحدها‏:‏ في نصاب الذهب‏.‏ والثاني‏:‏ هل فيهما أوقاص أم لا‏؟‏ أعني هل فوق النصاب قدر لا تزيد الزكاة بزيادته‏؟‏‏.‏ والثالث‏:‏ هل يضم بعضها إلى بعض في الزكاة فيعدان كصنف واحد‏؟‏ أعني عند إقامة النصاب أم هما صنفان مختلفان‏؟‏‏.‏ والرابع‏:‏ هل من شرط النصاب أن يكون المالك واحدا لا اثنين‏؟‏‏.‏ الخامس‏:‏ في اعتبار نصاب المعدن وحوله وقدر الواجب فيه‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الأولى‏)‏ وهي اختلافهم في نصاب الذهب، فإن أكثر العلماء على أن الزكاة تجب في عشرين دينارا وزنا كما تجب في مائتي درهم، هذا مذهب مالك والشافعي وأبي حنيفة وأصحابهم وأحمد وجماعة فقهاء الأمصار وقالت طائفة منهم الحسن بن أبي الحسن البصري وأكثر أصحاب داود بن علي‏:‏ ليس في الذهب شيء حتى يبلغ أربعين دينارا، ففيها ربع عشرها دينار واحد‏.‏ وقالت طائفة ثالثة‏:‏ ليس في الذهب زكاة حتى يبلغ صرفها مائتي درهم أو قيمتها فإذا بلغت ففيها ربع عشرها كان وزن ذلك من الذهب عشرين دينارا أو أقل أو أكثر، هذا فيما كان منها دون الأربعين دينارا‏.‏ فإذا بلغت أربعين دينارا كان الاعتبار بها لنفسه لا بالدراهم لا صرفا ولا قيمة‏.‏ وسبب اختلافهم في نصاب الذهب أنه لم يثبت في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم كما ثبت ذلك في نصاب الفضة‏.‏ وما روي عن الحسن بن عمارة من حديث علي أنه عليه الصلاة والسلام قال ‏"‏هاتوا زكاة الذهب من كل عشرين دينارا نصف دينار‏"‏ فليس عند الأكثر مما يجب العمل به لانفراد الحسن بن عمارة به، فمن لم يصح عنده هذا الحديث اعتمد في ذلك على الإجماع، وهو اتفاقهم على وجوبها في الأربعين‏.‏ وأما مالك فاعتمد في ذلك على العمل، ولذلك قال في الموطأ‏:‏ السنة التي لا اختلاف فيها عندنا أن الزكاة تجب في عشرين دينارا كما تجب في مائتي درهم‏.‏ وأما الذين جعلوا الزكاة فيما دون الأربعين تبعا للدراهم، فإنه لما كانا عندهم من جنس واحد جعلوا الفضة هي الأصل، إذ كان النص قد ثبت فيها، وجعلوا الذهب تابعا لها في القيمة لا في الوزن، وذلك فيما دون موضع الإجماع، ولما قيل أيضا إن الرقة اسم يتناول الذهب والفضة وجاء في بعض الآثار ‏"‏ليس فيها دون خمس أواق من الرقة صدقة‏"‏

-‏(‏ المسألة الثانية‏)‏ وأما اختلافهم فيما زاد على النصاب فيها، فإن الجمهور قالوا‏:‏ إن ما زاد على مائتي درهم من الوزن ففيه بحساب ذلك، أعني ربع العشر، وممن قال بهذا القول مالك والشافعي وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة وأحمد بن حنبل وجماعة‏.‏ وقالت طائفة من أهل العلم أكثرهم العراق‏:‏ لا شيء فيما زاد على المائتي درهم حتى تبلغ الزيادة أربعين درهما، فإذا بلغتها كان فيها ربع عشرها وذلك درهم، وبهذا القول قال أبو حنيفة وزفر وطائفة من أصحابهما‏.‏ وسبب اختلافهم اختلافهم في تصحيح حديث الحسن ابن عمارة، ومعارضة دليل الخطاب له، وترددهما بين أصلين في هذا الباب مختلفين في هذا الحكم وهي الماشية والحبوب‏.‏ أما حديث الحسن بن عمارة فإنه رواه عن أبي إسحاق عن عاصم بن ضمرة عن علي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏قد عفوت عن صدقة الخيل والرقيق فهاتوا من الرقة ربع العشر من كل مائتي درهم خمسة دراهم، ومن كل عشرين دينارا نصف دينار، وليس في مائتي درهم شيء حتى يحول عليها الحول ففيها خمسة دراهم، فما زاد ففي كل أربعين درهما درهم، وفي كل أربعة دنانير تزيد على العشرين دينارا درهم حتى تبلغ أربعين دينارا، ففي كل أربعين دينار، وفي كل أربعة وعشرين نصف دينار ودرهم‏"‏‏.‏ وأما دليل الخطاب المعارض له، فقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة‏"‏ ومفهومه أن فيما زاد على ذلك الصدقة قل أو كثر‏.‏ وأما ترددهما بين الأصلين اللذين هما الماشية والحبوب، فإن النص على الأوقاص ورد في الماشية‏.‏ وأجمعوا على أنه لا أوقاص في الحبوب، فمن شبه الفضة والذهب بالماشية قال فيهما الأوقاص، ومن شبههما بالحبوب قال لا وقص‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الثالثة‏)‏ وهي ضم الذهب إلى الفضة في الزكاة، فإن عند مالك وأبي حنيفة وجماعة أنها تضم الدراهم إلى الدنانير، فإذا كمل من مجموعهما نصاب وجبت فيه الزكاة؛ وقال الشافعي وأبو ثور وداود‏:‏ لا يضم ذهب إلى فضة ولا فضة إلى ذهب‏.‏ وسبب اختلافهم هل كل واحد منهما يجب فيه الزكاة لعينه أم لسبب يعمهما، وهو كونهما كما يقول الفقهاء رءوس الأموال وقيم المتلفات‏؟‏ فمن رأى أن المعتبر في كل واحد منهما هو عينه ولذلك اختلف النصاب فيهما قال‏:‏ هما جنسان لا يضم أحدهما إلى الثاني كالحال في البقر والغنم؛ ومن رأى أن المعتبر فيهما هو ذلك الأمر الجامع الذي قلناه أوجب ضم بعضهما إلى بعض، ويشبه أن يكون الأظهر اختلاف الأحكام حيث تختلف الأسماء وتختلف الموجودات أنفسها، وإن كان قد يوهم اتحادهما اتفاق المنافع، وهو الذي اعتمد مالك رحمه الله في هذا الباب وفي باب الربا، والذين أجازوا ضمهما اختلفوا في صفة الضم‏.‏ فرأى مالك ضمهما بصرف محدود، وذلك بأن ينزل الدينار بعشرة دراهم على ما كانت عليه قديما، فمن كانت عنده عشرة دنانير ومائة درهم وجبت عليه فيهما الزكاة عنده، وجاز أن يخرج من الواحد عن الآخر‏.‏ وقال من هؤلاء آخرون‏:‏ تضم بالقيمة في وقت الزكاة، فمن كانت عنده مثلا مائة درهم وتسعة مثاقيل قيمتها مائة درهم وجبت عليه فيهما الزكاة، ومن كانت عنده مائة درهم تساوي أحد عشر مثقالا وتسعة مثاقيل وجبت عليه أيضا فيهما الزكاة، وممن قال بهذا القول أبو حنيفة، وبمثل هذا القول قال الثوري إلا أنه يراعي الأحوط للمساكين في الضم‏:‏ أعني القيمة أو الصرف المحدود‏:‏ ومنهم من قال‏:‏ يضم الأقل منها إلى الأكثر ولا يضم الأكثر إلى الأقل؛ وقال آخرون‏:‏ تضم الدنانير بقيمتها أبدا كانت الدنانير أقل من الدراهم أو أكثر، ولا تضم الدراهم إلى الدنانير لأن الدراهم أصل والدنانير فرع، إذ كان لم يثبت في الدنانير حديث ولا إجماع حتى تبلغ أربعين، وقال بعضهم‏:‏ إذا كان عنده نصاب من أحدهما ضم إليه قليل الآخر وكثيره، ولم ير الضم في تكميل النصاب إذا لم يكن في واحد منهما نصاب بل في مجموعهما‏.‏ وسبب هذا الارتباك ما راموه من أن يجعلوا من شيئين نصابهما مختلف في الوزن نصابا واحدا، وهذا كله لا معنى له، ولعل من رام ضم أحدهما إلى الآخر فقد أحدث حكما في الشرع حيث لا حكم، لأنه قد قال بنصاب ليس هو بنصاب ذهب ولا فضة، ويستحيل في عادة التكليف والأمر بالبيان أن يكون في أمثال هذه الأشياء المحتملة حكم مخصوص، فيسكت عنه الشارع حتى يكون سكوته سببا لأن يعرض فيه من الاختلاف ما مقداره هذا المقدار، والشارع إنما بعث صلى الله عليه وسلم لرفع الاختلاف‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الرابعة‏)‏ فإن عند مالك وأبي حنيفة أن الشريكين ليس يجب على أحدهما زكاة حتى يكون لكل واحد منهما نصاب؛ وعند الشافعي أن المال المشترك حكمه حكم مال رجل واحد‏.‏ وسبب اختلافهم الإجماع الذي في قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة‏"‏ فإن هذا القدر يمكن أن يفهم منه إنما يخصه هذا الحكم إذا كان لمالك واحد فقط، ويمكن منه أنه يخصه هذا الحكم كان لمالك واحد أو أكثر من مالك واحد، إلا أنه لما كان مفهوم اشتراط النصاب إنما هو الرفق فواجب أن يكون النصاب من شرطه أن يكون لمالك واحد، وهو الأظهر والله أعلم‏.‏ والشافعي كأنه شبه الشركة بالخلطة، ولكن تأثير الخلطة في الزكاة غير متفق عليه على ما سيأتي بعد‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الخامسة‏)‏ وهي اختلافهم في اعتبار النصاب في المعدن وقدر الواجب فيه، فإن مالكا والشافعي راعيا النصاب في المعدن، وإنما الخلاف بينهما أن مالكا لم يشترط الحول واشترطه الشافعي على ما سنقول بعد في الجملة الرابعة، وكذلك لم يختلف قولهما إن الواجب فيما يخرج منه هو ربع العشر؛ وأما أبو حنيفة فلم ير فيه نصابا ولا حولا، وقال‏:‏ الواجب هو الخمس‏.‏ وسبب الخلاف في ذلك هل اسم الركاز يتناول المعدن أم لا يتناوله‏؟‏ لأنه قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏وفي الركاز الخمس‏"‏ وروى أشهب عن مالك أن المعدن الذي يوجد بغير عمل أنه ركاز وفيه الخمس‏.‏ فسبب اختلافهم في هذا هو اختلافهم في دلالة اللفظ، وهو أحد أسباب الاختلافات العامة التي ذكرناها‏.‏

 الفصل الثاني في نصاب الإبل والواجب فيه‏.‏

-وأجمع المسلمون على أن في كل خمس من الإبل شاة إلى أربع وعشرين، فإذا كانت خمسا وعشرين ففيها ابنة مخاض إلى خمس وثلاثين، فإن لم تكن ابنة مخاض فابن لبون ذكر، فإذا كانت ستا وثلاثين ففيها بنت لبون إلى خمس وأربعين، فإذا كانت ستا وأربعين ففيها حقة إلى ستين، فإذا كانت واحدا وستين ففيها جذعة إلى خمس وسبعين، فإذا كانت ستا وسبعين ففيها ابنتا لبون إلى تسعين، فإذا كانت واحدا وتسعين ففيها حقتان إلى عشرين ومائة لثبوت هذا كله في كتاب الصدقة الذي أمر به رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعمل به بعده أبو بكر وعمر‏.‏ واختلفوا منها في مواضع‏:‏ منها فيما زاد على العشرين والمائة، ومنها إذا عدم السن الواجبة عليه وعنده السن الذي فوقه أو الذي تحته ما حكمه‏؟‏ ومنها هل تجب الزكاة في صغار الإبل وإن وجبت فما الواجب‏؟‏‏.‏

-‏(‏فأما  المسألة الأولى‏)‏ وهي اختلافهم فيما زاد على المائة وعشرين، فإن مالكا قال‏:‏ إذا زادت على عشرين ومائة واحدة، فالمصدق بالخيار إن شاء أخذ ثلاث بنات لبون، وإن شاء أخذ حقتين إلى أن تبلغ ثلاثين ومائة فيكون فيها حقه وابنتا لبون‏.‏ وقال ابن القاسم من أصحابه‏:‏ بل يأخذ ثلاث بنات لبون من غير خيار إلى أن تبلغ ثمانين ومائة فتكون فيها حقة وابنتا لبون، وبهذا القول قال الشافعي‏.‏ قال عبد الملك بن الماجشون من أصحاب مالك‏:‏ بل يأخذ الساعي حقتين فقط من غير خيارإلى أن تبلغ مائة وثلاثين‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ أبو حنيفة وأصحابه والثوري‏:‏ إذا زادت على عشرين ومائة عادت الفريضة على أولها، ومعنى عودتها أن يكون عندهم في كل خمس ذود شاة، فإذا كانت الإبل مائة وخمسة وعشرين كان فيها حقتان وشاة، الحقتان للمائة والعشرين، والشاة للخمس، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها حقتان وشاتان، فإذا كانت خمسا وثلاثين ففيها حقتان وثلاث شياه إلى خمس وأربعين ومائة، ففيها حقتان وأربع شياه إلى خمس وأربعين ومائة، فإذا بلغتها ففيها حقتان وابنة مخاض، الحقتان للمائة والعشرين، وابنة المخاض للخمس وعشرين كما كانت في الفرض الأول إلى خمسين ومائة، فإذا بلغتها ففيها ثلاث حقاق، فإذا زادت على الخمسين ومائة استقبل بها الفريضة الأولى إلى أن تبلغ مائتين، فيكون فيها أربع حقاق ثم يستقبل بها الفريضة‏.‏ وأما ما عدا الكوفيين من الفقهاء، فإنهم اتفقوا على أن ما زاد على المائة والثلاثين، ففي كل أربعين بنت لبون وفي كل خمسين حقه‏.‏ وسبب اختلافهم في عودة الفرض أو لا عودته اختلاف الآثار في هذا الباب، وذلك أنه ثبت في كتاب الصدقة أنه قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏فما زاد على العشرين ومائة ففي كل أربعين بنت لبون، وفي كل خمسين حقة‏"‏ وروي من طريق أبي بكر بن عمرو بن حزم عن أبيه عن جده عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كتب كتاب الصدقة وفيه ‏"‏إذا زادت الإبل على مائة وعشرين استؤنفت الفريضة‏"‏ فذهب الجمهور إلى ترجيح الحديث الأول إذ هو أثبت، وذهب الكوفيون إلى ترجيح حديث عمرو بن حزم لأنه ثبت عندهم هذا من قول علي وابن مسعود، قالوا‏:‏ ولا يصح أن يكون مثل هذا إلا توقيفا إذ كان مثل هذا لا يقال بالقياس‏.‏ وأما سبب اختلاف مالك وأصحابه والشافعي فيما زاد على المائة وعشرين إلى الثلاثين فلأنه لم يستقم لهم حساب الأربعينات ولا الخمسينات، فمن رأى أن ما بين المائة وعشرين إلى أن يستقيم الحساب وقص قال‏:‏ ليس فيما زاد على ظاهر الحديث الثابت شيء ظاهر حتى يبلغ مائة وثلاثين وهو ظاهر الحديث‏.‏ وأما الشافعي وابن القاسم فإنما ذهبا إلى أن فيها ثلاث بنات لبون، لأنه قد روي عن ابن شهاب في كتاب الصدقة أنها إذا بلغت إحدى وعشرين ومائة ففيها ثلاث بنات لبون، فإذا بلغت ثلاثين ومائة ففيها بنتا لبون وحقة‏.‏ فسبب اختلاف ابن الماجشون وابن القاسم هو معارضة ظاهر الأثر الثابت للتفسير الذي في هذا الحديث فإن ابن الماجشون رجح ظاهر الأثر للاتفاق على ثبوته، وابن القاسم والشافعي حملا المجمل على المفصل المفسر‏.‏ وأما تخيير مالك الساعي، فكأنه جمع بين الأثرين والله أعلم‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الثانية‏)‏ وهو إذا عدم السن الواجب من الإبل الواجبة وعنده السن الذي فوق هذا السن أو تحته، فإن مالكا قال‏:‏ يكلف شراء ذلك السن‏.‏ وقال قوم بل يعطي السن الذي عنده وزيادة عشرين درهما إن كان السن الذي عنده أحط أو شاتين، وإن كان أعلى دفع إليه المصدق عشرين درهما أو شاتين، وهذا ثابت في كتاب الصدقة فلا معنى للمنازعة فيه، ولعل مالكا لم يبلغه هذا الحديث، وبهذا الحديث قال الشافعي وأبو ثور‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ الواجب عليه القيمة على أصله في إخراج القيم في الزكاة‏.‏ وقال قوم‏:‏ بل يعطي السن الذي عنده، وما بينهما من القيمة‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الثالثة‏)‏ وهي هل تجب في صغار الإبل، وإن وجبت فماذا يكلف‏؟‏ فإن قوما قالوا‏:‏ تجب فيها الزكاة، وقوم قالوا‏:‏ لا تجب‏.‏ وسبب اختلافهم هل يتناول اسم الجنس الصغار أو لا يتناوله‏.‏ والذين قالوا‏:‏ لا تجب فيها زكاة هو أبو حنيفة وجماعة من أهل الكوفة، وقد احتجوا بحديث سويد ابن غفلة أنه قال‏:‏ أتانا مصدق النبي عليه الصلاة والسلام، فأتيته فجلست إليه فسمعته يقول‏:‏ إن في عهدي أن لا آخذ من راضع لبن، ولا أجمع بين مفترق ولا نفرق بين مجتمع، قال‏:‏ وأتاه رجل بناقة كوماء فأبى أن يأخذها‏.‏ والذين أوجبوا الزكاة فيها منهم من قال‏:‏ يكلف شراء السن الواجبة عليه، ومنهم من قال‏:‏ يأخذ منها وهو الأقيس، وبنحو هذا الاختلاف اختلفوا في صغار البقر وسخال الغنم‏.‏

 الفصل الثالث في نصاب البقر وقدر الواجب في ذلك‏.‏

-جمهور العلماء على أن في ثلاثين من البقر تبيعا وفي أربعين مسنة، وقالت طائفة‏:‏ في كل عشر من البقر شاة إلى ثلاثين ففيها تبيع، وقيل إذا بلغت خمسا وعشرين ففيها بقرة إلى خمس وسبعين ففيها بقرتان إذا جاوزت ذلك، فإذا بلغت مائة وعشرين ففي كل أربعين بقرة، وهذا عن سعيد بن المسيب‏.‏ واختلف فقهاء الأمصار فيما بين الأربعين والستين؛ فذهب مالك والشافعي وأحمد والثوري وجماعة أن لا شيء فيما زاد على الأربعين حتى تبلغ الستين، فإذا بلغت ستين ففيها تبيعان إلى سبعين، ففيها مسنة وتبيع إلى ثمانين، ففيها مسنتان إلى تسعين، ففيها ثلاثة أتبعة إلى مائة، ففيها تبيعان ومسنة، ثم هكذا ما زاد، ففي كل ثلاثين تبيع، وفي كل أربعين مسنة‏.‏ وسبب اختلافهم في النصاب أن حديث معاذ غير متفق على صحته، ولذلك لم يخرجه الشيخان‏.‏ وسبب اختلاف فقهاء الأمصار في الوقص في البقر أنه جاء في حديث معاذ هذا أنه توقف في الأوقاص وقال‏:‏ حتى أسأل فيها النبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدم عليه وجده قد توفي صلى الله عليه وسلم، فلما لم يرد في ذلك نص طلب حكمه من طريق القياس، فمن قاسها على الإبل والغنم لم ير في الأوقاص شيئا، ومن قال إن الأصل في الأوقاص الزكاة إلا ما استثناه الدليل من ذلك وجب أن لا يكون عنده في البقر وقص، إذ لا دليل هنالك من إجماع ولا غيره‏.‏

 الفصل الرابع في نصاب الغنم وقدر الواجب من ذلك‏.‏

-وأجمعوا من هذا الباب على أن في سائمة الغنم إذا بلغت أربعين شاة شاة إلى عشرين ومائة، فإذا زادت على العشرين ومائة ففيها شاتان إلى مائتين، فإذا زادت على المائتين فثلاث شياه إلى ثلاثمائة، فإذا زادت على الثلاثمائة ففي كل مائة شاة، وذلك عند الجمهور إلا الحسن بن صالح فإنه قال‏:‏ إذا كانت الغنم ثلاثمائة شاة وشاة واحدة أن فيها أربع شياه، وإذا كانت أربعمائة شاة وشاة ففيها خمس شياه، وروى قوله هذا عن منصور عن إبراهيم، والآثار الثابتة المرفوعة في كتاب الصدقة على ما قال الجمهور‏.‏ واتفقوا على أن المعز تضم مع الغنم، واختلفوا من أي صنف منها يأخذ المصدق، فقال مالك‏:‏ يأخذ من الأكثر عددا، فإن استوت خير الساعي‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ بل الساعي يخير إذا اختلفت الأصناف‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يأخذ الوسط من الأصناف المختلفة لقول عمر رضي الله عنه‏:‏ نعد عليهم السخلة يحملها الراعي ولا نأخذها ولا نأخذ الأكولة ولا الربى ولا الماخض ولا فحل الغنم، ونأخذ الجذعة والثنية، وذلك عدل بين خيار المال ووسطه‏.‏ وكذلك اتفق جماعة فقهاء الأمصار على أنه لا يؤخذ في الصدقة تيس ولا هرمة ولا ذات عور لثبوت ذلك في كتاب الصدقة، إلا أنه يرى المصدق أن ذلك خير للمساكين‏.‏ واختلفوا في العمياء وذات العلة هل تعد على صاحب المال أم لا‏؟‏ فرأى مالك والشافعي أن تعد، وروي عن أبي حنيفة أنها لا تعد‏.‏ وسبب اختلافهم هل مطلق الاسم يتناول الأصحاء والمرضى أم لا يتناولهما‏؟‏‏.‏ واختلفوا من هذا الباب في نسل الأمهات هل تعد مع الأمهات فيكمل النصاب بها إذا لم تبلغ نصابا‏؟‏ فقال مالك يعتد بها، وقال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور‏:‏ لا يعتد بالسخال إلا أن تكون الأمهات نصابا‏.‏ وسبب اختلافهم احتمال قول عمر رضي الله عنه إذ أمر أن تعتد عليهم بالسخال ولا يؤخذ منها شيء، فإن قوما فهموا من هذا إذا كانت الأمهات نصابا، وقوم فهموا هذا مطلقا، وأحسب أن أهل الظاهر لا يوجبون في السخال شيئا، ولا يعدون بها لو كانت الأمهات نصابا ولو لم تكن لأن اسم الجنس لا ينطلق عليها عندهم، وأكثر الفقهاء على أن للخلطة تأثير في قدر الواجب من الزكاة‏.‏ واختلف القائلون بذلك هل لها تأثير في قدر النصاب أم لا‏؟‏

وأما أبو حنيفة وأصحابه فلم يروا للخلطة تأثيرا، لا في قدر الواجب ولا في قدر النصاب، وتفسير ذلك أن مالكا والشافعي وأكثر فقهاء الأمصار اتفقوا على أن الخلطاء يزكون زكاة المالك الواحد‏.‏ واختلفوا من ذلك في موضعين‏:‏ أحدهما في نصاب الخلطاء هل يعد نصاب مالك واحد سواء كان لكل واحد منهم نصاب أو لم يكن‏؟‏ أم إنما يزكون زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهم نصاب‏؟‏‏.‏ والثاني في صفة الخلطة التي لها تأثير في ذلك‏.‏ وأما اختلافهم أولا في هل للخلطة تأثير في النصاب وفي الواجب أو ليس لها تأثير‏؟‏‏.‏ فسبب اختلافهم اختلافهم في مفهوم ما ثبت في كتاب الصدقة من قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع خشية الصدقة‏"‏ وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية، فإن كل واحد من الفريقين أنزل مفهوم هذا الحديث على اعتقاده، وذلك أن الذين رأوا للخلطة تأثير ما في النصاب والقدر الواجب أو في القدر الواجب فقط قالوا‏:‏ إن قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏وما كان من خليطين فإنهما يتراجعان بالسوية‏"‏ وقوله ‏"‏لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع‏"‏ يدل دلالة واضحة على أن ملك الخليطين كملك رجل واحد، فإن هذا الأثر مخصص لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة‏"‏ إما في الزكاة عند مالك وأصحابه‏:‏ أعني في قدر الواجب، وإما في الزكاة والنصاب معا عند الشافعي وأصحابه‏.‏ وأما الذين لم يقولوا بالخلطة فقالوا‏:‏ إن الشريكين قد يقال لهما خليطان، ويحتمل أن يكون قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع‏"‏ إنما هو نهي للسعاة أن يقسم ملك الرجل الواحد قسمة توجب عليه كثرة الصدقة، مثل رجل يكون له مائة وعشرون شاة فيقسم عليه إلى أربعين ثلاث مرات، أو يجمع ملك رجل واحد إلى ملك رجل آخر حيث يوجب الجمع كثرة الصدقة قالوا‏:‏ وإذا كان هذا الاحتمال في هذا الحديث وجب أن لا تخصص به الأصول الثابتة المجمع عليها أعني أن النصاب والحق الواجب في الزكاة يعتبر بملك الرجل الواحد‏.‏

وأما الذين قالوا بالخلطة، فقالوا‏:‏ إن لفظ الخلطة هو أظهر في الخلطة نفسها منه في الشركة، وإذا كان ذلك كذلك فقوله عليه الصلاة والسلام فيهما ‏"‏إنهما يتراجعان بالسوية‏"‏ مما يدل على أن الحق الواجب عليهما حكمه حكم رجل واحد، وأن قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏إنهما يتراجعان بالسوية‏"‏ يدل على أن الخليطين ليسا بشريكين، لأن الشريكين ليس يتصور بينهما تراجع إذ المأخوذ هو من مال الشركة، فمن اقتصر على هذا المفهوم ولم يقس عليه النصاب قال‏:‏ الخليطان إنما يزكيان زكاة الرجل الواحد إذا كان لكل واحد منهما نصاب، ومن جعل حكم النصاب تابعا لحكم الحق الواجب قال‏:‏ نصابهما نصاب الرجل الواحد، كما أن زكاتهما زكاة الرجل الواحد، وكل واحد من هؤلاء أنزل قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏لا يجمع بين مفترق ولا يفرق بين مجتمع‏"‏ على ما ذهب إليه‏.‏

فأما مالك رحمه الله تعالى فإنه قال‏:‏ معنى قوله ‏"‏لا يفرق بين مجتمع‏"‏ أن الخليطين يكون لكل واحد منهما مائة شاة وشاة، فتكون عليهما فيهما ثلاثة شياه، فإذا افترقا كان على واحد منهما شاة، ومعنى قوله ‏"‏لا يجمع بين مفترق‏"‏ أن يكون النفر الثلاث لكل واحد منهم أربعون شاة، فإذا جمعوها كان عليهم شاة واحدة، فعلى مذهبه النهي إنما هو متجه نحو الخلطاء الذين لكل واحد منهم نصاب‏.‏ وأما الشافعي فقال معنى قوله ‏"‏ولا يفرق بين مجتمع‏"‏ أن يكون رجلان لهما أربعون شاة، فإذا فرقا غنمهما لم يجب عليهما فيها زكاة، إذ كان نصاب الخلطاء عنده نصاب ملك واحد في الحكم‏.‏ وأما القائلون بالخلطة فإنهم اختلفوا فيما هي الخلطة المؤثرة بالزكاة‏.‏ فأما الشافعي فقال‏:‏ إن من شرط الخلطة أن تختلط ماشيتهما وتراحا لواحد وتحلبا لواحد وتسرحا لواحد وتسقيا معا، وتكون فحولهما مختلطة ولا فرق عنده بالجملة والشركة ولذلك يعتبر كمال النصاب لكل واحد من الشريكين كما تقدم‏.‏ وأما مالك فالخليطان عنده ما اشتركا في الدلو والحوض والمراح والراعي والفحل، واختلف أصحابه في مراعاة بعض هذه الأوصاف أو جميعها‏.‏ وسبب اختلافهم اشتراك اسم الخلطة، ولذلك لم ير قوم تأثير الخلطة في الزكاة، وهو مذهب أبي محمد بن حزم الأندلسي‏.‏

 الفصل الخامس‏.‏ في نصاب الحبوب والثمار والقدر الواجب في ذلك‏.‏

-وأجمعوا على أن الواجب في الحبوب، أما ما سقي بالسماء فالعشر، وأما ما سقي بالنضح فنصف العشر لثبوت ذلك عنه صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما النصاب فإنهم اختلفوا في وجوبه في هذا الجنس من مال الزكاة، فصار الجمهور إلى إيجاب النصاب فيه وهو خمسة أوسق، والوسق ستون صاعا بإجماع، والصاع أربعة أمداد بمد النبي عليه الصلاة والسلام، والجمهور على أن مده رطل وثلث وزيادة يسيرة بالبغدادي، وإليه رجع أبو يوسف حين ناظره مالك على مذهب أهل العراق لشهادة أهل المدينة بذلك، وكان أبو حنيفة يقول في المد إنه رطلان، وفي الصاع إنه ثمانية أرطال‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ ليس في الحبوب والثمار نصاب‏.‏ وسبب اختلافهم معارضة العموم للخصوص‏.‏ أما العموم فقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏فيما سقت السماء العشر، وفيما سقي بالنضح نصف العشر‏"‏ وأما الخصوص فقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة‏"‏ والحديثان ثابتان، فمن رأى الخصوص يبنى على العموم قال لا بد من النصاب وهو المشهور، ومن رأى أن العموم والخصوص متعارضان إذا جهل المتقدم فيهما والمتأخر إذ كان قد ينسخ الخصوص بالعموم عنده، وينسخ العموم بالخصوص، إذ كل ما وجب العمل به جاز نسخه، والنسخ قد يكون للبعض وقد يكون للكل، ومن رجح العموم قال لا نصاب، ولكن حمل الجمهور عندي الخصوص على العموم هو من باب ترجيح الخصوص على العموم في الجزء الذي تعارضا فيه فإن العموم فيه ظاهر والخصوص فيه نص، فتأمل هذا فإنه السبب الذي صير الجمهور إلى أن يقولوا بنى العام على الخاص وعلى الحقيقة ليس بنيانا، فإن التعارض بينهما موجود إلا أن يمكن الخصوص متصلا بالعموم فيكون استثناء، واحتجاج أبي حنيفة في النصاب بهذا العموم فيه ضعف، فإن الحديث إنما خرج مخرج تبين القدر الواجب منه‏.‏ واختلفوا من هذا الباب في النصاب في ثلاث مسائل‏:‏ المسألة الأولى‏:‏ في ضم الحبوب بعضهما إلى بعض في النصاب‏.‏ الثانية‏:‏ في جواز تقدير النصاب في العنب والتمر بالخرص‏.‏ الثالثة‏:‏ هل يحسب على الرجل ما يأكله من ثمره وزرعه قبل الحصاد والجذاذ في النصاب أم لا‏؟‏‏.‏

-‏(‏أما  المسألة الأولى‏)‏ فإنهم أجمعوا على أن الصنف الواحد من الحبوب والثمر يجمع جيده إلى رديئه وتؤخذ الزكاة عن جميعه بحسب قدر كل واحد منهما‏:‏ أعني من الجيد والردئ، فإن كان الثمر أصنافا أخذ من وسطه‏.‏ واختلفوا في ضم القطاني بعضها إلى بعض، وفي ضم الحنطة والشعير والسلت فقال مالك‏:‏ القطينة كلها صنف واحد الحنطة والشعير والسلت أيضا‏.‏ وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد وجماعة‏:‏ القطاني كلها أصناف كثيرة بحسب أسمائها، ولا يضم منها شيء إلى غيره في حساب النصاب، وكذلك الشعير والسلت والحنطة عندهم أصناف ثلاثة لا يضم واحد منها إلى الآخر لتكميل النصاب‏.‏ وسبب الخلاف هل المراعاة في الصنف الواحد هو اتفاق المنافع أو اتفاق الأسماء‏؟‏ فمن قال اتفاق الأسماء قال‏:‏ كلما اختلفت أسماؤها فهي أصناف كثيرة، ومن قال اتفاق المنافع قال‏:‏ كلما اتفقت منافعها فهي صنف واحد وإن اختلفت أسماؤها، فكل واحد منهما يروم أن يقرر قاعدته باستقراء الشرع، أعني أن أحدهما يحتج لمذهبه بالأشياء التي اعتبر فيها الشرع الأسماء، والآخر بالأشياء التي اعتبر الشرع فيها المنافع، ويشبه أن يكون شهادة الشرع للأسماء في الزكاة أكثر من شهادته للمنافع وإن كان كلا الاعتبارين موجودا في الشرع، والله أعلم‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الثانية‏)‏ وهي تقدير النصاب بالخرص واعتباره به دون الكيل فإن جمهور العلماء على إجازة الخرص في النخيل والأعناب حين يبدو صلاحها لضرورة أن يخلى بينها وبين أهلها يأكلونها رطبا، وقال داود‏:‏ لا خرص إلا في النخيل فقط‏.‏ وقال أبو حنيفة وصاحباه‏:‏ الخرص باطل وعلى رب المال أن يؤدي عشر ما تحصل بيده زاد على الخرص أو نقص منه‏.‏ والسبب في اختلافهم في جواز الخرص معارضة الأصول للأثر الوارد في ذلك‏.‏ أما الأثر الوارد في ذلك وهو الذي تمسك به الجمهور فهو ما روي ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يرسل عبد الله بن رواحة إلى خيبر فيخرص عليهم النخل‏"‏‏.‏ وأما الأصول التي تعارضه فلأنه من باب المزابنة المنهي عنها، وهو بيع الثمر في رءوس النخل بالثمر كيلا، ولأنه أيضا من باب بيع الرطب بالتمر نسيئة فيدخله المنع من التفاضل ومن النسيئة وكلاهما من أصول الربا، فلما رأى الكوفيون هذا مع أن الخرص الذي كان يخرص على أهل خيبر لم يكن للزكاة إذ كانوا ليسوا بأهل زكاة قالوا‏:‏ يحتمل أن يكون تخمينا ليعلم ما بأيدي كل قوم من الثمار‏.‏ قال القاضي‏:‏ أما بحسب خبر مالك، فالظاهر أنه كان في القسمة لما روي أن عبد الله بن رواحة كان إذا فرغ من الخرص قال‏:‏ إن شئتم فلكم وإن شئتم فلي، أعني في قسمة الثمار لا في قسمة الحب‏.‏ وأما بحسب حديث عائشة الذي رواه أبو داود فإنما الخرص لموضع النصيب الواجب عليهم في ذلك، والحديث هو أنها قالت وهي تذكر شأن خيبر ‏"‏كان النبي صلى الله عليه وسلم يبعث عبد الله بن رواحة إلى يهود خيبر فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل منه‏"‏ وخرص الثمار لم يخرجه الشيخان، وكيفما كان فالخرص مستثنى من تلك الأصول، هذا إن ثبت أنه كان منه عليه الصلاة والسلام حكما منه على المسلمين، فإن الحكم لو ثبت على أهل الذمة ليس يجب أن يكون حكما على المسلمين إلا بدليل والله أعلم‏.‏ ولو صح حديث عتاب بن أسيد لكان جواز الخرص بينا والله أعلم، وحديث عتاب بن أسيد هو أنه قال ‏"‏أمرني رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرص العنب وآخذ زكاته زبيبا كما تؤخذ زكاة النخل تمرا‏"‏ وحديث عتاب بن أسيد طعن فيه، لأن راويه عنه هو سعيد بن المسيب وهو لم يسمع منه، ولذلك لم يجز داود خرص العنب‏.‏ واختلف من أوجب الزكاة في الزيتون في جواز خرصه‏.‏ والسبب في اختلافهم اختلافهم في قياسه في ذلك على النخل والعنب؛ والمخرج عند الجميع من النخل في الزكاة هو التمر لا الرطب، وكذلك الزبيب من العنب لا العنب نفسه، وكذلك عند القائلين بوجوب الزكاة في الزيتون هو الزيت لا الحب قياسا على التمر والزبيب‏.‏ وقال مالك في العنب الذي لا يتزبب والزيتون الذي لا ينعصر أرى أن يؤخذ منه حبا‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الثالثة‏)‏ فإن مالكا وأبو حنيفة قالا‏:‏ يحسب على الرجل ما أكل من ثمره وزرعه قبل الحصاد في النصاب، وقال الشافعي‏:‏ لا يحسب عليه ويترك الخارص لرب المال ما يأكل هو وأهله‏.‏ والسبب في اختلافهم ما يعارض الآثار في ذلك من الكتاب والقياس‏.‏ أما السنة في ذلك فما رواه سهل بن أبي حثمة ‏"‏أن النبي صلى الله عليه وسلم بعث أبا حثمة خارصا، فجاء رجل فقال‏:‏ يا رسول الله إن أبا حثمة قد زاد علي، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن ابن عمك يزعم أنك زدت عليه، فقال‏:‏ يا رسول الله لقد تركت له قدر عرية أهله وما يطعمه المساكين وما تسقطه الريح، فقال‏:‏ قد زادك ابن عمك وأنصفك‏"‏ وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏إذا خرصتم فدعوا الثلث، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع‏"‏ وروي عن جابر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏خففوا في الخرص فإن في المال العرية والآكلة والوصية والعامل والنوائب وما وجب في الثمر من الحق‏"‏ وأما الكتاب المعارض لهذه الآثار والقياس فقوله تعالى ‏{‏كلوا من ثمره إذا أثمر وآتوا حقه يوم حصاده‏}‏ ‏.‏ وأما القياس فلأنه مال فوجبت فيه الزكاة أصله سائر الأموال‏.‏ فهذه هي المسائل المشهورة التي تتعلق بقدر الواجب في الزكاة والواجب منه في هذه الأجناس الثلاثة التي الزكاة مخرجة من أعيانها، لم يختلفوا أنها إذا خرجت من الأعيان أنفسها أنها مجزئة، واختلفوا هل يجوز فيها أن يخرج بدل العين القيمة أو لا يجوز‏؟‏ فقال مالك والشافعي‏:‏ لا يجوز إخراج القيم في الزكوات بدل المنصوص عليه في الزكوات، وقال أبو حنيفة‏:‏ يجوز سواء قدر على المنصوص عليه أو لم يقدر‏.‏ وسبب اختلافهم هل الزكاة عبادة أو حق واجب للمساكين، فمن قال إنها عبادة‏:‏ قال إن أخرج من غير تلك الأعيان لم يجز لأنه إذا أتى بالعبادة على غير الجهة المأمور بها فهي فاسدة، ومن قال هي حق للمساكين فلا فرق بين القيمة والعين عنده، وقد قالت الشافعية‏:‏ لنا أن نقول وإن سلمنا أنها حق للمساكين أن الشارع إنما علق الحق بالعين قصدا منه لتشريك الفقراء مع الأغنياء في أعيان الأموال‏:‏ والحنفية تقول‏:‏ إنما خصت بالذكر أعيان الأموال تسهيلا على أرباب الأموال، لأن كل ذي مال إنما يسهل عليه الإخراج من نوع المال الذي بين يديه، ولذلك جاء في بعض الأثر أنه جعل في الدية على أهل الحلل حللا على ما سيأتي في كتاب الحدود‏.‏

 الفصل السادس في نصاب العروض‏.‏

-والنصاب في العروض على مذهب القائلين بذلك إنما هو فيما اتخذ منها للبيع خاصة على ما يقدر قبل، والنصاب فيها على مذهبهم هو النصاب في العين إذ كانت هذه هي قيم المتلفات ورءوس الأموال، وكذلك الحول في العروض عند الذين أوجبوا الزكاة في العروض، فإن مالكا قال، إذا باع العروض زكاة لسنة واحدة كالحال في الدين، وذلك عنده في التاجر الذي تضبط له أوقات شراء عروضه‏.‏ وأما الذين لا ينضبط لهم وقت ما يبيعونه ولا يشترونه وهم الذين يخصون باسم المدير، فحكم هؤلاء عند مالك إذا حال عليهم الحول من يوم ابتداء تجارتهم إلى أن يقوم ما بيده من العروض، ثم يضم إلى ذلك ما بيده من العين وماله من الدين الذي يرتجى قبضه إن لم يكن عليه دين مثله‏:‏ وذلك بخلاف قوله في دين غير المدير، فإذا بلغ ما اجتمع عنده من ذلك نصابا أدى زكاته، وسواء نض له في عامه شيء من العين أو لم ينض بلغ نصابا أو لم يبلغ نصابا، وهذه رواية ابن الماجشون عن مالك‏.‏ وروى ابن القاسم عنه‏:‏ إذا لم يكن له ناض وكان يتجر بالعروض لم يكن عليه في العروض شيء‏.‏ فمنهم من لم يشترط وجود الناض عنده، ومنهم من شرطه‏.‏ والذي شرطه، منهم من اعتبر فيه النصاب، ومنهم من لم يعتبر ذلك‏.‏ وقال المازني‏:‏ زكاة العروض تكون من أعيانها لا من أثمانها‏.‏ وقال الجمهور، الشافعي وأبو حنيفة وأحمد والثوري والأوزاعي وغيرهم‏:‏ المدير وغير المدير حكمه واحد، وأنه من اشترى عرضا للتجارة فحال عليه الحول قومه وزكاه‏.‏ وقال قوم‏:‏ بل يزكي ثمنه الذي ابتاعه به لا قيمته، وإنما لم يوجب الجمهور على المدير شيئا لأن الحول إنما يشترط في عين المال لا في نوعه‏.‏ وأما مالك فشبه النوع ههنا بالعين لئلا تسقط الزكاة رأسا على المدير، وهذا هو بأن يكون شرعا زائدا أشبه منه بأن يكون شرعا مستنبطا من شرع ثابت، ومثل هذا هو الذي يعرفونه بالقياس المرسل، وهو الذي لا يستند إلى أصل منصوص عليه في الشرع إلا ما يعقل من المصلحة الشرعية فيه، ومالك رحمه الله يعتبر المصالح وإن لم يستند إلى أصول منصوص عليها‏.‏

‏(‏ الجملة الرابعة في وقت الزكاة‏)‏ وأما وقت الزكاة فإن جمهور الفقهاء يشترطون في وجوب الزكاة في الذهب والفضة والماشية الحول، لثبوت ذلك عن الخلفاء الأربعة، ولانتشاره في الصحابة رضي الله عنهم، ولانتشار العمل به، ولاعتقادهم أن مثل هذا الانتشار من غير خلاف لا يجوز أن يكون إلا عن توقيف‏.‏ وقد روي مرفوعا من حديث ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال ‏"‏لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول‏"‏ وهذا مجمع عليه عند فقهاء الأمصار، وليس فيه في الصدر الأول خلاف إلا ما روي عن ابن عباس ومعاوية‏.‏ وسبب الاختلاف أنه لم يرد في ذلك حديث ثابت‏.‏ واختلفوا من هذا الباب في مسائل ثمانية مشهورة‏:‏ إحداها‏:‏ هل يشترط الحول في المعدن إذا قلنا إن الواجب فيه ربع العشر‏؟‏‏.‏ الثانية‏:‏ في اعتبار حولي ربح المال‏.‏ الثالثة‏:‏ حول الفوائد الواردة على مال تجب فيه الزكاة‏.‏ الرابعة‏:‏ في اعتبار حول الدين إذا قلنا إن فيه الزكاة‏.‏ الخامسة‏:‏ في اعتبار حول العروض إذا قلنا إن فيها الزكاة‏.‏ السادسة‏:‏ في حول فائدة الماشية‏.‏ السابعة‏:‏ في حول نسل الغنم إذا قلنا إنها تضم إلى الأمهات، إما على رأي من يشترط أن تكون الأمهات نصابا وهو الشافعي وأبو حنيفة، وإما على مذهب من لا يشترط ذلك، وهو مذهب مالك‏.‏ والثامنة‏:‏ في جواز إخراج الزكاة قبل الحول‏.‏

-‏(‏أما  المسألة الأولى‏)‏ وهي المعدن، فإن الشافعي راعى فيه الحول مع النصاب وأما مالك فراعى فيه النصاب دون الحول‏.‏ وسبب اختلافهم تردد شبهة بين ما تخرجه الأرض مما تجب فيه الزكاة وبين التبر والفضة المقتنيين، فمن شبهه بما تخرجه الأرض لم يعتبر الحول فيه، ومن شبهه بالتبر والفضة المقتنيين أوجب الحول، وتشبيهه بالتبر والفضة أبين والله أعلم‏.‏

-‏(‏ المسألة الثانية‏)‏ وأما اعتبار حول ربح المال فإنهم اختلفوا فيه على ثلاثة أقوال‏:‏ فرأى الشافعي أن حوله يعتبر من يوم استفيد سواء كان الأصل نصابا أو لم يكن، وهو مروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب أن لا يعرض لأرباح التجارة حتى يحول عليها الحول‏.‏ وقال مالك‏:‏ حول الربح هو حول الأصل‏:‏ أي إذا كمل للأصول حول زكى الربح معه، سواء كان الأصل نصابا أو أقل من نصاب إذا بلغ الأصل مع ربحه نصابا، قال أبو عبيد‏:‏ ولم يتابعه عليه أحد من الفقهاء إلا أصحابه‏.‏ وفرق قوم بين أن يكون رأس المال الحائل عليه الحول نصابا أو لا يكون فقالوا‏:‏ إن كان نصابا زكى الربح مع رأس ماله، وإن لم يك نصابا لم يزك وممن قال بهذا القول الأوزاعي وأبو ثور وأبو حنيفة‏.‏ وسبب اختلافهم تردد الربح بين أن يكون حكمه حكم المال المستفاد أو حكم الأصل، فمن شبهه بالمال المستفاد ابتداء قال‏:‏ يستقبل به الحول، ومن شبهه بالأصل وهو رأس المال قال‏:‏ حكمه حكم رأس المال، إلا أن من شروط هذا التشبيه أن يكون رأس المال قد وجبت فيه الزكاة، وذلك لا يكون إلا إذا كان نصابا، ولذلك يضعف قياس الربح على الأصل في مذهب مالك، ويشبه أن يكون الذي اعتمده مالك رضي الله عنه في ذلك هو تشبيه ربح المال بنسل الغنم، لكن نسل الغنم مختلف أيضا فيه، وقد روي عن مالك مثل قول الجمهور‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الثالثة‏)‏ وهي حول الفوائد، فإنهم أجمعوا على أن المال إذا كان أقل من نصاب واستفيد إليه مال من غير ربحه يكمل من مجموعهما نصاب أنه يستقل به الحول من يوم كمل‏.‏ واختلفوا إذا استفاد مالا وعنده نصاب مال آخر قد حال عليه الحول، فقال مالك‏:‏ يزكى المستفاد إن كان نصابا لحوله ولا يضم إلى المال الذي وجبت فيه الزكاة، وبهذا القول في الفوائد قال الشافعي، وقال أبو حنيفة وأصحابه والثوري‏:‏ الفوائد كلها تزكى بحول الأصل إذا كان الأصل نصابا، وكذلك الربح عندهم‏.‏ وسبب اختلافهم هل حكمه حكم المال الوارد عليه أم حكمه حكم مال لم يرد على مال آخر‏؟‏ فمن قال حكمه حكم مال لم يرد على مال آخر‏:‏ أعني مالا فيه زكاة‏.‏ قال‏:‏ لا زكاة في الفائدة، ومن جعل حكمه حكم الوارد عليه وأنه مال واحد قال‏:‏ إذا كان في الوارد عليه الزكاة بكونه نصابا اعتبر حوله بحول المال الوارد عليه، وعموم قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏لا زكاة في مال حتى يحول عليه الحول‏"‏ يقتضي أن لا يضاف مال إلى مال إلا بدليل وكأن أبا حنيفة اعتمد في هذا قياس الناض على الماشية، ومن أصله الذي يعتمده في هذا الباب أنه ليس من شرط الحول أن يوجد المال نصابا في جميع أجزائه بل أن يوجد نصابا في طرفيه فقط وبعضا منه في كله؛ فعنده أنه إذا كان مال في أول الحول نصابا ثم هلك بعضه فصار أقل من نصاب ثم استفاد مالا في آخر الحول صار به نصابا أنه تجب فيه الزكاة، وهذا عنده موجود في هذا المال لأنه لم يستكمل الحول، وهو في جميع أجزائه مال واحد بعينه، بل زاد ولكن ألفى في طرفي الحول نصابا، والظاهر أن الحول الذي اشترط في المال إنما هو في مال معين لا يزيد ولا ينقص لا بربح ولا بفائدة ولا بغير ذلك، إذ كان المقصود بالحول هو كون المال فضلة مستغنى عنه وذلك أن ما بقي حولا عند المالك لم يتغير عنده فليس به حاجة إليه فجعل فيه الزكاة فإن الزكاة إنما هي في فضول الأموال‏.‏ وأما من رأى أن اشتراط الحول في المال إنما سببه النماء فواجب عليه أن يقول‏:‏ تضم الفوائد فضلا عن الأرباح إلى الأصول وأن يعتبر النصاب في طرفي الحول فتأمل هذا فإنه بين والله أعلم‏.‏ ولذلك رأى مالك أن من كان عنده في أول الحول ماشية تجب فيها الزكاة ثم باعها وأبدلها في آخر الحول بماشية من نوعها أنها تجب فيها الزكاة، فكأنه اعتبر أيضا طرفي الحول على مذهب أبي حنيفة، وأخذ أيضا ما اعتمد أبو حنيفة في فائدة الناض القياس على فائدة الماشية على ما قلناه‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الرابعة‏)‏ وهي اعتبار حول الدين إذا قلنا إن فيه الزكاة فإن قوما قالوا‏:‏ يعتبر ذلك فيه من أول ما كان دينا يزكيه لعدة ذلك إن كان حولا فحول، وإن كان أحوالا فأحوال، أعني أنه إن كان حولا تجب فيه زكاة واحدة، وإن أحوالا وجبت فيه الزكاة لعدة تلك الأحوال‏.‏ وقوم قالوا‏:‏ يزكيه لعام واحد، وإن أقام الدين أحوالا عند الذي عنده الدين‏.‏ وقوم قالوا‏:‏ يستقبل به الحول‏.‏ وأما من قال يستقبل بالدين الحول من يوم قبض فلم يقل بإيجاب الزكاة في الدين‏.‏ ومن قال فيه‏:‏ الزكاة بعدد الأحوال التي أقام فمصيرا إلى تشبيه الدين بالمال الحاضر‏.‏ وأما من قال‏:‏ الزكاة فيه لحول واحد وإن أقام أحوالا، فلا أعرف له مستندا في وقتي هذا، لأنه لا يخلو ما دام دينا أن يقول إن فيه زكاة أو لا يقول ذلك، فإن لم يكن فيه زكاة فلا كلام بل يستأنف به، وإن كان فيه زكاة فلا يخلو أن يشترط فيها الحول أو لا يشترط ذلك، فإن اشترطنا وجب أن يعتبر عدد الأحوال إلا أن يقول كلما انقضى حول فلم يتمكن من أدائه سقط عنه ذلك الحق اللازم في ذلك الحول، فإن الزكاة وجبت بشرطين‏:‏ حضور عين المال، وحلول الحول، فلم يبق إلا حق العام الأخير، وهذا يشبهه مالك بالعروض التي للتجارة، فإنها لا تجب عنده فيها زكاة إلا إذا باعها وإن أقامت عنده أحوالا كثيرة، وفيه ما شبه بالماشية التي لا يأتي الساعي أعواما إليها ثم يأتي فيجدها قد انقضت فإنه يزكي على مذهب مالك الذي وجد فقط لأنه لما أن حال عليها الحول فيما تقدم ولم يتمكن من إخراج الزكاة إذ كان مجيء الساعي شرطا عنده في إخراجها مع حلول الحول سقط عنه حق ذلك الحول الحاضر وحوسب به في الأعوام السالفة كان الواجب فيها أقل أو أكثر إذا كانت مما تجب فيه الزكاة، وهو شيء يجري على غير قياس، وإنما اعتبر مالك فيه العمل‏.‏ وأما الشافعي فيراه ضامنا لأنه ليس مجيء الساعي شرطا عنده في الوجوب، وعلى هذا كل من رأى أنه لا يجوز أن يخرج زكاة ماله إلا بأن يدفعها إلى الإمام فعدم الإمام، أو عدم الإمام العادل إن كان ممن شرط العدالة في ذلك أنه إذا هلكت بعد انقضاء الحول وقبل التمكن من دفعها إلى الإمام فلا شيء عليه‏.‏ ومالك تنقسم عنده زكاة الديون لهذه الأحوال الثلاثة، أعني أن من الديون عنده ما يزكى لعام واحد فقط مثل ديون التجارة، ومنها ما يستقبل بها الحول مثل ديون المواريث‏.‏ والثالث دين المدبر وتحصيل قوله في الديون ليس بغرضنا‏.‏

-‏(‏ المسألة الخامسة‏)‏ وهي حول العروض، وقد تقدم القول فيها عند القول في نصاب العروض‏.‏

-‏(‏وأما المسألة السادسة‏)‏ وهي فوائد الماشية، فإن مذهب مالك فيها بخلاف مذهبه في فوائد الناض، وذلك أنه يبني الفائدة على الأصل إذا كان الأصل نصابا كما يفعل أبو حنيفة في فائدة الدارهم وفي فائدة الماشية، فأبو حنيفة مذهبه في الفوائد حكم واحد، أعني أنها تبنى على الأصل إذا كانت نصابا كانت فائدة غنم أو فائدة ناض، والأرباح عنده والنسل كالفوائد‏.‏ وأما مالك فالربح والنسل عنده حكمهما واحد، ويفرق بين فوائد الناض وفوائد الماشية‏.‏ وأما الشافعي فالأرباح والفوائد عنده حكمهما واحد باعتبار حولهما بأنفسهما، وفوائد الماشية ونسلها واحد باعتبار حولهما بالأصل إذا كان نصابا، فهذا هو تحصيل مذاهب هؤلاء الفقهاء الثلاثة، وكأنه إنما فرق مالك بين الماشية والناض اتباعا لعمر، وإلا فالقياس فيهما واحد، أعني أن الربح شبيه بالنسل والفائدة بالفائدة، وحديث عمر هذا هو أنه أمر أن يعد عليهم بالسخال ولا يأخذ منها شيئا، وقد تقدم الحديث في باب النصاب‏.‏

-‏(‏ المسألة السابعة‏)‏ وهي اعتبار حول نسل الغنم، فإن مالكا قال‏:‏ حول النسل هو حول الأمهات كانت الأمهات نصابا أو لم تكن كما قال في ربح الناض‏.‏ وقال الشافعي وأبو حنيفة وأبو ثور‏:‏ لا يكون حول النسل حول الأمهات إلا أن تكون الأمهات نصابا‏.‏ وسبب اختلافهم هو بعينه سبب اختلافهم في ربح المال‏.‏

-‏(‏وأما  المسألة الثامنة‏)‏ وهي جواز إخراج الزكاة قبل الحول، فإن مالكا منع ذلك وجوزه أبو حنيفة والشافعي‏.‏ وسبب الخلاف هل هي عبادة أو حق واجب للمساكين، فمن قال عبادة وشبهها بالصلاة لم يجز إخراجها قبل الوقت ومن شبهها بالحقوق الواجبة المؤجلة أجاز إخراجها قبل الأجل على جهة التطوع وقد احتج الشافعي لرأيه بحديث علي ‏"‏أن النبي عليه الصلاة والسلام استسلف صدقة العباس قبل محلها‏"‏‏.‏

‏(‏ الجملة الخامسة فيمن تجب له الصدقة‏)‏

 الفصل الأول في عدد الأصناف الذين تجب لهم الزكاة‏:‏

-فأما عددهم فهم الثمانية الذين نص الله عليهم في قوله تعالى ‏{‏إنما الصدقات للفقراء والمساكين‏}‏ الآية‏.‏ واختلفوا من العدد في مسألتين‏:‏ إحداهما هل يجوز أن تصرف جميع الصدقة إلى صنف واحد من هؤلاء الأصناف أم هم شركاء في الصدقة لا يجوز أن يخص منهم صنف دون صنف‏؟‏ فذهب مالك وأبو حنيفة إلى أنه يجوز للإمام أن يصرفها في صنف واحد أو أكثر من صنف واحد إذا رأى ذلك بحسب الحاجة‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ لا يجوز ذلك بل يقسم على الأصناف الثمانية كما سمى الله تعالى، وسبب اختلافهم معارضة اللفظ للمعنى، فإن اللفظ يقتضي القسمة بين جميعهم، والمعنى يقتضي أن يؤثر بها أهل الحاجة إذ كان المقصود به سد الخلة، فكان تعديدهم في الآية عند هؤلاء إنما ورد لتمييز الجنس أعني أهل الصدقات لا تشريكهم في الصدقة، فالأول أظهر من جهة اللفظ، وهذا أظهر من جهة المعنى‏.‏ ومن الحجة للشافعي ما رواه أبو داود عن الصُّدائي أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم أن يعطيه من الصدقة، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏إن الله لم يرض بحكم نبي ولا غيره في الصدقات حتى حكم فيها فجزأها ثمانية أجزاء فإن كنت من تلك الأجزاء أعطيتك حقك‏"‏‏.‏

وأما ‏(‏المسألة الثانية‏)‏‏:‏ فهل المؤلفة قلوبهم حقهم باق إلى اليوم أم لا‏؟‏ فقال مالك‏:‏ لا مؤلفة اليوم‏.‏ وقال الشافعي وأبو حنيفة‏:‏ بل حق المؤلفة باق إلى اليوم إذا رأى الإمام ذلك، وهم الذين يتألفهم الإمام على الإسلام‏:‏ وسبب اختلافهم هل ذلك خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم، أو عام له ولسائر الأمة‏؟‏ والأظهر أنه عام، وهل يجوز ذلك للإمام في كل أحواله أو في حال دون حال‏؟‏ أعني في حال الضعف لا في حال القوة، ولذلك قال مالك‏:‏ لا حاجة إلى المؤلفة الآن لقوة الإسلام، وهذا كما قلنا التفات منه إلى المصالح‏.‏

 الفصل الثاني في الصفة التي تقتضي صرفها إليهم‏:‏

-وأما صفاتهم التي يستوجبون بها الصدقة ويمنعون منها بأضدادها‏:‏ فأحدها الفقر الذي هو ضد الغنى لقوله تعالى‏:‏ ‏{‏إنما الصدقات للفقراء والمساكين‏}‏ واختلفوا في الغني الذي تجوز له الصدقة من الذي لا تجوز، وما مقدار الغنى المحرم للصدقة‏.‏ فأما الغني الذي لا تجوز له الصدقة فإن الجمهور على أنه لا تجوز الصدقة للأغنياء بأجمعهم إلا للخمس الذين نص عليهم النبي عليه الصلاة والسلام في قوله ‏"‏لا تحل الصدقة لغني إلا لخمسة‏:‏ لغاز في سبيل الله، أو لعامل عليها، أو لغارم، أو لرجل له جار مسكين فتصدق على المسكين فأهدى المسكين للغنى‏"‏ وروي عن ابن القاسم أنه لا يجوز أخذ الصدقة لغني أصلا مجاهدا كان أو عاملا، والذين أجازوها للعامل وإن كان غنيا أجازوها للقضاة ومن في معناهم ممن المنفعة بهم عامة للمسلمين، ومن لم يجز ذلك فقياس ذلك عنده هو أن لا تجوز لغني أصلا‏.‏ وسبب اختلافهم هو هل العلة في إيجاب الصدقة للأصناف المذكورين هو الحاجة فقط أو الحاجة والمنفعة العامة‏؟‏ فمن اعتبر ذلك بأهل الحاجة المنصوص عليهم في الآية قال‏:‏ الحاجة فقط، ومن قال الحاجة والمنفعة العامة توجب أخذ الصدقة اعتبر المنفعة للعامل والحاجة بسائر الأصناف المنصوص عليهم‏.‏ وأما حد الغنى الذي يمنع من الصدقة فذهب الشافعي إلى أن المانع من الصدقة هو أقل ما ينطلق عليه الإسم‏.‏ وذهب أبو حنيفة إلى أن الغني هو مالك النصاب لأنهم الذين سماهم النبي عليه الصلاة والسلام أغنياء لقوله في حديث معاذ له فأخبرهم أن الله فرض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد على فقرائهم وإذا كان الأغنياء هم الذين هم أهل النصاب وجب أن يكون الفقراء ضدهم‏.‏ وقال مالك‏:‏ ليس في ذلك حد إنما هو راجع إلى الإجتهاد‏.‏ وسبب اختلافهم هل الغنى المانع هو معنى شرعي أم معنى لغوي‏؟‏ فمن قال معنى شرعي قال‏:‏ وجود النصاب هو الغنى، ومن قال معنى لغوي اعتبر في ذلك أقل ما ينطلق عليه الإسم، فمن رأى أن أقل ما ينطلق عليه الإسم هو محدود في كل وقت وفي كل شخص جعل حده هذا، ومن رأى أنه غير محدود وأن ذلك يختلف باختلاف الحالات والحاجات والأشخاص والأمكنة والأزمنة وغير ذلك قال‏:‏ هو غير محدود، وأن ذلك راجع إلى الإجتهاد‏.‏ وقد روى أبو داود في هذا حديث الغنى الذي يمنع الصدقة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه ملك خمسين درهما، وفي أثر آخر أنه ملك أوقية وهي أربعون درهما، وأحسب أن قوما قالوا بهذه الآثار في حد الغنى‏.‏ واختلفوا من هذا الباب في صفة الفقير والمسكين والفصل الذي بينهما، فقال قوم‏:‏ الفقير أحسن حالا من المسكين، وبه قال البغداديون من أصحاب مالك، وقال آخرون‏:‏ المسكين أحسن حالا من الفقير، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه والشافعي في أحد قوليه وفي قوله الثاني أنهما إسمان دالان على معنى واحد، وإلى هذا ذهب ابن القاسم، وهذا النظر هو لغوي إن لم تكن له دلالة شرعية‏.‏ والأشبه عند استقراء اللغة أن يكونا اسمين دالين على معنى واحد يختلف بالأقل والأكثر في كل واحد منهما لا أن هذا راتب من أحدهما على قدر غير القدر الذي الآخر راتب عليه، واختلفوا في قوله تعالى ‏{‏وفي الرقاب‏}‏ فقال مالك‏:‏ هم العبيد يعتقهم الإمام ويكون ولاؤهم للمسلمين وقال الشافعي وأبو حنيفة‏:‏ هم المكاتبون وابن السبيل هو عندهم المسافر في طاعة ينفذ زاده فلا يجد ما ينفقه‏.‏ وبعضهم يشترط فيه أن يكون ابن السبيل جار الصدقة‏.‏ وأما في سبيل الله فقال مالك‏:‏ سبيل الله مواضع الجهاد والرباط وبه قال أبو حنيفة‏.‏ وقال غيره‏:‏ الحجاج والعمار‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ هو الغازي جار الصدقة، وإنما اشترط جار الصدقة لأن عند أكثرهم أنه لا يجوز تنقيل الصدقة من بلد إلى بلد إلا من ضرورة‏.‏

 الفصل الثالث كم يجب لهم‏؟‏

-وأما قدر ما يعطى من ذلك، أما الغارم فبقدر ما عليه إذا كان دينه في طاعة وفي غير سرف بل في أمر ضروري، وكذلك ابن السبيل يعطى ما يحمله إلى بلده، ويشبه أن يكون ما يحمله إلى مغزاه عند من جعل ابن السبيل الغازي‏.‏ واختلفوا في مقدار ما يعطى المسكين الواحد من الصدقة، فلم يحد مالك في ذلك حدا وصرفه إلى الإجتهاد، وبه قال الشافعي قال‏:‏ وسواء كان ما يعطى من ذلك نصابا أو أقل من نصاب‏.‏ وكره أبو حنيفة أن يعطى أحد من المساكين مقدار نصاب من الصدقة‏.‏ وقال الثوري‏:‏ لا يعطى أحد أكثر من خمسين درهما‏.‏ وقال الليث‏:‏ يعطى ما يبتاع به خادما إذا كان ذا عيال وكانت الزكاة كثيرة، وكان أكثرهم مجمعون على أنه لا يجب أن يعطى عطية يصير بها من الغنى في مرتبة من لا تجوز له الصدقة، لأن ما حصل له من ذلك المال فوق القدر الذي هو به من أهل الصدقة صار في أول مراتب الغنى فهو حرام عليه‏.‏ وإنما اختلفوا في ذلك لاختلافهم في هذا القدر، فهذه المسألة كأنها تبنى على معرفة أول مراتب الغنى‏.‏ وأما العامل عليها فلا خلاف عند الفقهاء أنه إنما يأخذ بقدر عمله، فهذا ما رأينا أن نثبته في هذا الكتاب، وإن تذكرنا شيئا مما يشاكل غرضنا ألحقناه به إن شاء الله تعالى‏.‏

 كتاب زكاة الفطر‏:‏

-والكلام في هذا الكتاب يتعلق بفصول‏:‏ أحدها في معرفة حكمها، والثاني في معرفة من تجب عليه، والثالث كم تجب عليه، ومن ماذا تجب عليه، والرابع متى تجب عليه‏؟‏ ، والخامس من تجوز له‏؟‏ ‏.‏

 الفصل الأول في معرفة حكمها‏:‏

-فأما زكاة الفطر، فإن الجمهور على أنها فرض، وذهب بعض المتأخرين من أصحاب مالك إلى أنها سنة، وبه قال أهل العراق‏.‏ وقال قوم‏:‏ هي منسوخة بالزكاة‏.‏ وسبب اختلافهم تعارض الآثار في ذلك، وذلك بأنه ثبت من حديث عبد الله بن عمر أنه قال‏:‏ فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر على الناس من رمضان صاعا من تمر أو صاعا من شعير على كل حر أو عبد ذكر أو أنثى من المسلمين‏.‏

وظاهر هذا يقتضي الوجوب على مذهب من يقلد الصاحب في فهم الوجوب أو الندب من أمره عليه الصلاة والسلام إذا لم يحد لنا لفظه، وثبت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال في حديث الأعرابي المشهور وذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم الزكاة قال‏:‏ هل علي غيرها‏؟‏ قال‏:‏ لا إلا أن تطوع‏.‏ فذهب الجمهور إلى أن هذه الزكاة داخلة تحت الزكاة المفروضة، وذهب الغير إلى أنها غير داخلة، واحتجوا في ذلك بما روي عن قيس بن سعد بن عبادة أنه قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرنا بها قبل نزول الزكاة، فلما نزلت آية الزكاة لم نؤمر بها ولم ننه عنها ونحن نفعله‏.‏

 الفصل الثاني في من تجب عليه وعن من تجب‏؟‏

-وأجمعوا على أن المسلمين مخاطبون بها ذكرانا كانوا أو إناثا، صغارا أو كبارا، عبيدا أو أحرارا لحديث عمر المتقدم إلا ما شذ فيه الليث فقال ليس على أهل العمود زكاة الفطر، وإنما هي على أهل القرى ولا حجة له، وما شذ أيضا من قول من لم يوجبها على اليتيم‏.‏ وأما عن من تجب‏؟‏ فإنهم اتفقوا على أنها تجب على المرء في نفسه، وأنها زكاة بدن لا زكاة مال، وأنها تجب في ولده الصغار عليه إذا لم يكن لهم مال، وكذلك في عبيده إذا لم يكن لهم مال واختلفوا فيما سوى ذلك‏.‏

وتلخيص مذهب مالك في ذلك‏:‏ أنها تلزم الرجل عمن ألزمه الشرع النفقة عليه، ووافقه في ذلك الشافعي‏.‏ وإنما يختلفان من قبل اختلافهم فيمن تلزم المرء نفقته إذا كان معسرا ومن ليس تلزمه، وخالفه أبو حنيفة في الزوجة وقال تؤدي عن نفسها، وخالفهم أبو ثور في العبد إذا كان له مال، فقال‏:‏ إذا كان له مال زكى عن نفسه ولم يزك عنه سيده، وبه قال أهل الظاهر والجمهور على أنه لا تجب على المرء في أولاده الصغار إذا كان لهم مال زكاة فطر، وبه قال الشافعي وأبو حنيفة ومالك، وقال الحسن هي على الأب وإن أعطاها من مال الإبن فهو ضامن، وليس من شرط هذه الزكاة الغنى عند أكثرهم ولا نصاب بل أن تكون فضلا عن قوته وقوت عياله‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لا تجب على من تجوز له الصدقة، لأنه لا يجتمع أن تجوز له وأن تجب عليه، وذلك بين والله أعلم، وإنما اتفق الجمهور على أن هذه الزكاة ليست بلازمة لمكلف، مكلف في ذاته فقط كالحال في سائر العبادات، بل ومن قبل غيره لإيجابها على الصغير والعبيد، فمن فهم من هذا أن علة الحكم الولاية قال‏:‏ الولي يلزمه إخراج الصدقة على كل من يليه، ومن فهم من هذه النفقة قال‏:‏ المنفق يجب أن يخرج الزكاة عن كل من ينفق عليه بالشرع‏.‏ وإنما عرض هذا الاختلاف لأنه اتفق في الصغير والعبد، وهما اللذان نبها على أن هذه الزكاة ليست معلقة بذات المكلف فقط بل ومن قبل غيره إن وجدت الولاية فيها ووجوب النفقة، فذهب مالك إلى أن العلة في ذلك وجوب النفقة، وذهب أبو حنيفة إلى أن العلة في ذلك الولاية، ولذلك اختلفوا في الزوجة‏.‏ وقد روي مرفوعا ‏"‏أدوا زكاة الفطر عن كل من تمونون‏"‏ ولكنه غير مشهور‏.‏ واختلفوا من العبيد في مسائل‏:‏ إحداها كما قلنا وجوب زكاته على السيد إذا كان له مال، وذلك مبني على أنه يملك أو لا يملك‏.‏ والثانية في العبد الكافر هل يؤدي عنه زكاته أم لا‏؟‏ فقال مالك والشافعي وأحمد‏:‏ ليس على السيد في العبد الكافر زكاة‏.‏ وقال الكوفيون‏:‏ عليه الزكاة فيه‏.‏ والسبب في اختلافهم اختلافهم في الزيادة الواردة في ذلك في حديث ابن عمر، وهو قوله من المسلمين، فإنه قد خولف فيها نافع بكون ابن عمر أيضا الذي هو راوي الحديث من مذهبه إخراج الزكاة عن العبيد الكفار‏.‏ وللخلاف أيضا سبب آخر، وهو كون الزكاة الواجبة على السيد في العبد هل هي لمكان أن العبد يكلف أو أنه مال‏؟‏ فمن قال لمكان أنه مكلف اشترط الإسلام، ومن قال لمكان أنه مال لم يشترطه، قالوا‏:‏ ويدل على ذلك إجماع العلماء على أن العبد إذا أعتق ولم يخرج عنه مولاه زكاة الفطر أنه لا يلزمه إخراجها عن نفسه بخلاف الكفارات‏.‏ والثالثة في المكاتب، فإن مالكا وأبا ثور قالا‏:‏ يؤدي عنه سيده زكاة الفطر‏.‏ وقال الشافعي وأبو حنيفة وأحمد‏:‏ لا زكاة عليه فيه‏.‏ والسبب في اختلافهم تردد المكاتب بين الحر والعبد‏.‏ والرابعة في عبيد التجارة، ذهب مالك والشافعي وأحمد إلى أن على السيد فيهم زكاة الفطر، وقال أبو حنيفة وغيره‏:‏ ليس في عبيد التجارة صدقة‏.‏ وسبب الخلاف معارضة القياس للعموم وذلك أن عموم اسم العبد يقتضي وجوب الزكاة في عبيد التجارة وغيرهم، وعند أبي حنيفة أن هذا العموم مخصص بالقياس، وذلك هو اجتماع زكاتين في مال واحد، وكذلك اختلفوا في العبيد وفروع هذا الباب كثيرة‏.‏

 الفصل الثالث مماذا تجب‏؟‏

-وأما مماذا تجب‏؟‏ فإن قوما ذهبوا ظغلى أنها تجب إما من البر أو من التمر أو من الشعير أو من الأقط، وأن ذلك على التخيير للذي تجب عليه، وقوم ذهبوا إلى أن الواجب عليه هو غالب قوت البلد أو قوت المكلف إذا لم يقدر على قوت البلد، وهو الذي حكاه عبد الوهاب عن المذهب‏.‏ والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم حديث أبي سعيد الخدري أنه قال ‏"‏كنا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط أو صاعا من تمر‏"‏ فمن فهم من هذا الحديث التخيير قال أيّا أخرج من هذا أجزأ عنه، ومن فهم منه أن اختلاف المخرج ليس سببه الإباحة وإنما سببه اعتبار قوت المخرج أو قوت غالب البلد قال بالقول الثاني‏.‏ وأما كم يجب‏؟‏ فإن العلماء اتفقوا على أنه لا يؤدي في زكاة الفطر من التمر والشعير أقل من صاع لثبوت ذلك في حديث ابن عمر، واختلفوا في قدر ما يؤدى من القمح، فقال مالك والشافعي‏:‏ لا يجزئ منه أقل من صاع، وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يجزئ من البر نصف صاع‏.‏ والسبب في اختلافهم تعارض الآثار، وذلك أنه جاء في حديث أبي سعيد الخدري أنه قال‏:‏ ‏"‏كنا نخرج زكاة الفطر في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط أو صاعا من تمر أو صاعا من زبيب‏"‏ وظاهره أنه أراد بالطعام القمح‏.‏ وروى الزهري أيضا عن أبي سعيد عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏في صدقة الفطر صاعا من بر بين اثنين أو صاعا من شعير أو تمر عن كل واحد‏"‏ خرجه أبو داود‏.‏ وروي عن ابن المسيب أنه قال‏:‏ ‏"‏كانت صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم نصف صاع من حنطة أو صاعا من شعير أو صاعا من تمر‏"‏‏.‏ فمن أخذ بهذه الأحاديث قال‏:‏ نصف صاع من البر، ومن أخذ بظاهر حديث أبي سعيد وقال البر في ذلك على الشعير سوَّى بينهما في الوجوب

 الفصل الرابع متى تجب زكاة الفطر‏؟‏

-وأما متى يجب إخراج زكاة الفطر‏؟‏ فإنهم اتفقوا على أنها تجب في آخر رمضان لحديث ابن عمر ‏"‏فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر من رمضان‏"‏ واختلفوا في تحديد الوقت، فقال مالك في رواية ابن القاسم عنه‏:‏ تجب بطلوع الفجر من يوم الفطر‏.‏ وروى عنه أشهب أنها تجب بغروب الشمس من آخر يوم رمضان، وبالأول قال أبو حنيفة، وبالثاني قال الشافعي‏.‏ وسبب اختلافهم هل هي عبادة متعلقة بيوم العيد‏:‏ أو بخروج شهر رمضان‏؟‏ لأن ليلة العيد ليست من شهر رمضان، وفائدة هذا الاختلاف في المولود يولد قبل الفجر من يوم العيد وبعد مغيب الشمس هل تجب عليه أم لا تجب‏؟‏‏.‏

 الفصل الخامس في معرفتها‏:‏

-وأما لمن تصرف فأجمعوا على أنه تصرف لفقراء المسلمين لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏أغنوهم عن السؤال في هذا اليوم‏"‏ واختلفوا هل تجوز لفقراء الذمة، والجمهور على أنها لا تجوز لهم، وقال أبو حنيفة‏:‏ تجوز لهم‏.‏ وسبب اختلافهم هل سبب جوازها هو الفقر فقط، أو الفقر والإسلام معا‏؟‏ فمن قال الفقر والإسلام لم يجزها للذميين، ومن قال الفقر فقط أجازها لهم، واشترط قوم في أهل الذمة الذين تجوز لهم أن يكونوا رهبانا، وأجمع المسلمون على أن زكاة الأموال لاتجوز لأهل الذمة لقوله عليه الصلاة والسلام‏:‏ ‏"‏صدقة تؤخذ من أغنيائهم وترد إلى فقرائهم‏"‏‏.‏

بسم الله الرحمن الرحيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله وسلم تسليما

 كتاب الصيام

-وهذا الكتاب ينقسم أولا قسمين‏:‏ أحدهما في الصوم الواجب، والآخر في المندوب إليه‏.‏ والنظر في الصوم الواجب ينقسم إلى قسمين‏:‏ أحدهما في الصوم والآخر في الفطر‏.‏ أما القسم الأول وهو الصيام فإنه ينقسم أولا إلى جملتين‏:‏ إحداهما معرفة أنواع الصيام الواجب، والأخرى معرفة أركانه‏.‏ وأما القسم الذي يتضمن النظر في الفطر فإنه ينقسم إلى معرفة المفطرات وإلى معرفة المفطرين وأحكامهم‏.‏

‏[‏ كتاب الصيام الأول‏]‏

‏(‏ الجملة الأولى‏)‏ وهي معرفة أنواع الصيام

-فلنبدأ بالقسم الأول من هذا الكتاب، وبالجملة الأولى منه، وهي معرفة أنواع الصيام

فنقول‏:‏ إن الصوم الشرعي منه واجب، ومنه مندوب إليه‏.‏ والواجب ثلاثة أقسام‏:‏ منه ما يجب للزمان نفسه، وهو صوم شهر رمضان بعينه‏.‏ ومنه ما يجب لعلة، وهو صيام الكفارات‏.‏ ومنه ما يجب بإيجاب الإنسان ذلك على نفسه، وهو صيام النذر‏.‏ والذي يتضمن هذا الكتاب القول فيه من أنواع هذه الواجبات هو صوم شهر رمضان فقط‏.‏ وأما صوم الكفارات فيذكر عند ذكر المواضع التي تجب منها الكفارة، وكذلك صوم النذر ويذكر في كتاب النذر‏.‏

فأما صوم شهر رمضان فهو واجب بالكتاب والسنة والإجماع‏.‏ فأما الكتاب فقوله تعالى ‏{‏كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ وأما السنة ففي قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏بني الإسلام على خمس، وذكر فيها الصوم‏"‏ وقوله للأعرابي ‏"‏وصيام شهر رمضان‏"‏ قال‏:‏ هل علي غيرها‏؟‏ قال‏:‏ لا إلا أن تطوع‏.‏ وأما الإجماع فإنه لم ينقل إلينا خلاف عن أحد من الأئمة في ذلك‏.‏ وأما على من يجب وجوبا غير مخير فهو البالغ العاقل الحاضر الصحيح إذا لم تكن فيه الصفة المانعة من الصوم وهي الحيض للنساء، هذا لا خلاف فيه لقوله تعالى ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ ‏.‏

 الجملة الثانية‏:‏ في الأركان

-والأركان ثلاثة‏:‏ إثنان متفق عليهما، وهما الزمان والإمساك عن المفطرات‏.‏ والثالث مختلف فيه وهو النية‏.‏ فأما  الركن الأول الذي هو الزمان، فإنه ينقسم إلى قسمين‏:‏ أحدهما زمان الوجوب، وهو شهر رمضان‏.‏ والآخر زمان الإمساك عن المفطرات، وهو أيام هذا الشهر دون الليالي، ويتعلق بكل واحد من هذين الزمانين مسائل قواعد اختلفوا فيها، فلنبدأ بما يتعلق من ذلك بزمان الوجوب، وأول ذلك في تحديد طرفي هذا الزمان‏.‏ وثانيا في معرفة الطريق التي بها يتوصل إلى معرفة العلامة المحدودة في حق شخص شخص وأفق أفق‏.‏ فأما طرفا هذا الزمان، فإن العلماء أجمعوا على أن الشهر العربي يكون تسعا وعشرين ويكون ثلاثين وعلى أن الإعتبار في تحديد شهر رمضان إنما هو الرؤية، لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته‏"‏ وعني بالرؤية أول ظهور القمر بعد السؤال‏.‏

واختلفوا في الحكم إذا غم الشهر ولم تمكن الرؤية وفي وقت الرؤية المعتبر، فأما اختلافهم إذا غم الهلال، فإن الجمهور يرون أن الحكم في ذلك أن تكمل العدة ثلاثين، فإن كان الذي غم هلال أول الشهر عد الشهر الذي قبله ثلاثين يوما، وكان أول رمضان الحادي والثلاثين، وإن كان الذي غم هلال آخر الشهر صام الناس ثلاثين يوما‏.‏ وذهب ابن عمر إلى أنه إن كان المغمّى عليه هلال أول الشهر صيم اليوم الثاني وهو الذي يعرف بيوم الشك‏.‏ وروى بعض السلف أنه إذا أغمى الهلال رجع إلى الحساب بمسير القمر والشمس، وهو مذهب مطرف بن الشخير وهو من كبار التابعين‏.‏ وحكى ابن سريج عن الشافعي أنه قال‏:‏ من كان مذهبه الاستدلال بالنجوم ومنازل القمر ثم تبين له من جهة الاستدلال أن الهلال مرئي وقد غم، فإن له أن يعقد الصوم ويجزيه‏.‏ وسبب اختلافهم الإجمال الذي في قوله صلى الله عليه وسلم ‏"‏صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته فإن غم عليكم فاقدروا له‏"‏ فذهب الجمهور إلى أن تأويله أكملوا العدة ثلاثين‏.‏ ومنهم من رأى أن معنى التقدير له هو عده بالحساب‏.‏ ومنهم من رأى أن معنى ذلك أن يصبح المرء صائما، وهو مذهب ابن عمر كما ذكرنا وفيه بعد في اللفظ‏.‏ وإنما صار الجمهور إلى هذا التأويل لحديث ابن عباس الثابت أنه قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏فإن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين‏"‏ وذلك مجمل وهذا مفسر، فوجب أن يحمل المجمل على المفسر، وهي طريقة لا خلاف فيها بين الأصوليين، فإنهم ليس عندهم بين المجمل والمفسر تعارض أصلا، فمذهب الجمهور في هذا لائح والله أعلم‏.‏ وأما اختلافهم في إعتبار وقت الرؤية فإنهم اتفقوا على أنه إذا رؤي من العشي أن الشهر من اليوم الثاني، واختلفوا إذا رؤي في سائر أوقات النهار أعني أول ما رؤي، فمذهب الجمهور أن القمر في أول وقت رؤي من النهار أنه لليوم المستقبل كحكم رؤيته بالعشي، وبهذا القول قال مالك والشافعي وأبو حنيفة وجمهور أصحابهم‏.‏ وقال أبو يوسف من أصحاب أبي حنيفة والثوري وابن حبيب من أصحاب مالك‏:‏ إذا رؤي الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية وإن رؤي بعد الزوال فهو للآتية‏.‏ وسبب اختلافهم ترك اعتبار التجربة فيما سبيله التجربة والرجوع إلى الأخبار في ذلك، وليس في ذلك أثر عن النبي عليه الصلاة والسلام يرجع إليه، لكن روي عن عمر رضي الله عنه أثران‏:‏ أحدهما عام والآخر مفسر، فذهب قوم إلى العام وذهب قوم إلى المفسر‏.‏ فأما العام فما رواه الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة قال‏:‏ أتانا كتاب عمر ونحن بخانقين أن الأهلة بعضها أكبر من بعض، فإذا رأيتم الهلال نهارا فلا تفطروا حتى يشهد رجلان أنهما رأياه بالأمس‏.‏

وأما الخاص فما روى الثوري عنه أنه بلغ عمر بن الخطاب أن قوما رأوا الهلال بعد الزوال فأفطروا، فكتب إليهم يلومهم وقال‏:‏ إذا رأيتم الهلال نهارا قبل الزوال فأفطروا، وإذا رأيتموه بعد الزوال فلا تفطروا‏.‏ قال القاضي‏:‏ الذي يقتضي القياس والتجربة أن القمر لا يرى والشمس بعد لم تغب إلا وهو بعيد منها، لأنه حينئذ يكون أكبر من قوس الرؤية، وإن كان يختلف في الكبر والصغر فبعيد والله أعلم أن يبلغ من الكبر أن يرى والشمس بعد لم تغب، ولكن المعتمد في ذلك التجربة كما قلنا ولا فرق في ذلك قبل الزوال ولا بعده، وإنما المعتبر في ذلك مغيب الشمس أو لا مغيبها‏.‏ وأما اختلافهم في حصول العلم بالرؤية فإن له طريقين‏:‏ أحدهما الحس والآخر الخبر، فأما طريق الحس فإن العلماء أجمعوا على أن من أبصر هلال الصوم وحده أن عليه أن يصوم، إلا عطاء بن أبي رباح فإنه قال‏:‏ لا يصوم إلا برؤية غيره معه، واختلفوا هل يفطر برؤيته وحده‏؟‏ فذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد إلى أنه لا يفطر‏.‏ وقال الشافعي‏:‏ يفطر، وبه قال أبو ثور، وهذا لا معنى له، فإن النبي عليه الصلاة والسلام قد أوجب الصوم والفطر للرؤية‏.‏ والرؤية إنما تكون بالحس، ولولا الإجماع على الصيام بالخبر عن الرؤية لبعد وجوب الصيام بالخبر لظاهر هذا الحديث، وإنما فرق من فرق بين هلال الصوم والفطر لمكان سد الذريعة أن لا يدعى الفساق أنهم رأوا الهلال فيفطرون وهم بعد لم يروه، ولذلك قال الشافعي‏:‏ إن خاف التهمة أمسك عن الأكل والشرب واعتقد الفطر، وشذ مالك فقال‏:‏ من أفطر وقد رأى الهلال وحده فعليه القضاء والكفارة‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ عليه القضاء فقط‏.‏ وأما طريق الخبر فإنهم اختلفوا في عدد المخبرين الذين يجب قبول خبرهم عن الرؤية وفي صفتهم‏.‏

فأما مالك فقال‏:‏ إنه لا يجوز أن يصام ولا يفطر بأقل من شهادة رجلين عدلين‏.‏ وقال الشافعي في رواية المزني‏:‏ إنه يصام بشهادة رجل واحد على الرؤية، ولا يفطر بأقل من شهادة رجلين‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن كانت السماء مغيمة قبل واحد، وإن كانت صاحية بمصر كبير لم تقبل إلا شهادة الجم الغفير‏.‏ وروي عنه أنه تقبل شهادة عدلين إذا كانت السماء مصحية وقد روي عن مالك أنه لا تقبل شهادة الشاهدين إلا إذا كانت السماء مغيمة، وأجمعوا على أنه لا يقبل في الفطر إلا إثنان، إلا أبا ثور فإنه لم يفرق في ذلك بين الصوم والفطر كما فرق الشافعي‏.‏

وسبب اختلافهم اختلاف الآثار في هذا الباب، وتردد الخبر في ذلك بين أن يكون من باب الشهادة أو من باب العمل بالأحاديث التي لا يشترط فيها العدد‏.‏

وتردد الخبر في ذلك بين أن يكون من باب الشهادة أو من باب العمل بالأحاديث التي لا يشترط فيها العدد‏.‏ أما الآثار فمن ذلك ما خرجه أبو داود عن عبد الرحمن بن زيد بن الخطاب أنه خطب الناس في اليوم الذي يشك فيه فقال‏:‏ إني جالست أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وسألتهم وكلهم حدثوني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏صوموا لرؤيته وأفطروا لرؤيته، فإن غم عليكم فأتموا ثلاثين، فإن شهد شاهدان فصوموا وأفطروا‏"‏

ومنها حديث ابن عباس أنه قال ‏"‏جاء أعرابي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال أبصرت الهلال الليلة، فقال أتشهد أن لا إله إلا الله وأن محمد رسول الله‏؟‏ قال‏:‏ نعم، قال‏:‏ يا بلال أذن في الناس فليصوموا غدا‏"‏ خرجه الترمذي قال‏:‏ وفي إسناده خلاف لأنه رواه جماعة مرسلا‏.‏

ومنها حديث ربعي بن خراش خرجه أبو داود عن ربعي بن خراش عن رجل من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏"‏ كان الناس في آخر يوم من رمضان فقام أعرابيان فشهدا عند النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الهلال أمس عشية، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس أن يفطروا وأن يعودوا إلى المصلى‏"‏ فذهب الناس في هذه الآثار مذهب الترجيح ومذهب الجمع، فالشافعي جمع بين حديث ابن عباس وحديث ربعي بن خراش على ظاهرهما، فأوجب الصوم بشهادة واحد والفطر بإثنين، ومالك رجح حديث عبد الرحمن ابن زيد لمكان القياس‏:‏ أعني تشبيه ذلك بالشهادة في الحقوق، ويشبه أن يكون أبو ثور لم ير تعارضا بين حديث ابن عباس وحديث ربعي بن خراش، وذلك أن الذي في حديث ربعي بن خراش أنه قضى بشهادة إثنين، وفي حديث ابن عباس أنه قضى بشهادة واحد، وذلك مما يدل على جواز الأمرين جميعا، لا أن ذلك تعارض، ولا أن القضاء الأول مختص بالصوم والثاني بالفطر، فإن القول بهذا إنما ينبني على توهم التعارض، وكذلك يشبه أن لا يكون تعارض بين حديث عبد الرحمن بن زيد وبين حديث ابن عباس إلا بدليل الخطاب، وهو ضعيف إذا عارضه النص، فقد نرى أن قول أبي ثور على شذوذه هو أبين، مع أن تشبيه الرائي بالراوي هو أمثل من تشبيهه بالشاهد، لأن الشهادة إما أن يقول إن اشتراط العدد فيها عبادة غير معللة فلا يجوز أن يقيس عليها، وإما أن يقول إن اشتراط العدد فيها هو لموضع التنازع الذي في الحقوق، والشبة التي تعرض من قبل قول أحد الخصمين فاشترط فيها العدد وليكون الظن أغلب والميل إلى حجة أحد الخصمين أقوى، ولم يتعد بذلك الأثنين لئلا يعسر قيام الشهادة فتبطل الحقوق، وليس في رؤية القمر شبهة من مخالف توجب الإستظهار بالعدد،

ويشبه أن يكون الشافعي إنما فرق بين هلال الفطر وهلال الصوم للتهمة التي تعرض للناس في هلال الفطر ولا تعرض في هلال الصوم، ومذهب أبي بكر بن المنذر هو مذهب أبي ثور أحسبه هو مذهب أهل الظاهر وقد احتج أبو بكر بن المنذر لهذا الحديث بانعقاد الإجماع على وجوب الفطر والإمساك عن الأكل بقول واحد، فوجب أن يكون الأمر كذلك في دخول الشهر وخروجه، إذ كلاهما علامة تفصل زمان الفطر من زمان الصوم، وإذا قلنا إن الرؤية تثبت بالخبر في حق من لم يره فهل يتعدى ذلك من بلد إلى بلد‏؟‏ أعني هل يجب على أهل بلد ما إذا لم يروه أن يأخذوا في ذلك برؤية بلد آخر أم لكل بلد رؤية‏؟‏ فيه خلاف، فأما مالك فإن ابن القاسم والمصريين رووا عنه أنه إذا ثبت عند أهل بلد أن أهل بلد آخر رأوا الهلال أن عليهم قضاء ذلك اليوم الذي أفطروه وصامه غيرهم، وبه قال الشافعي وأحمد‏.‏

وروى المدنيون عن مالك أن الرؤية لا تلزم بالخبر عند أهل البلد الذي وقعت فيه الرؤية، إلا أن يكون الإمام يحمل الناس على ذلك، وبه قال ابن الماجشون والمغيرة من أصحاب مالك، وأجمعوا أنه لا يراعى ذلك في البلدان النائية كالأندلس والحجاز‏.‏ والسبب في هذا الخلاف تعارض الأثر والنظر‏.‏ أما النظر فهو أن البلاد إذا لم تختلف مطالعها كل الإختلاف فيجب أن يحمل بعضها على بعض لأنها في قياس الأفق الواحد‏.‏ وأما إذا اختلفت إختلافا كثيرا فليس يجب أن يحمل بعضها على بعض‏.‏ وأما الأثر فما رواه مسلم عن كريب أن أم الفضل بنت الحرث بعثته إلى معاوية بالشام فقال‏:‏ قدمت الشام فقضيت حاجتها، واستهل على رمضان وأنا بالشام، فرأيت الهلال ليلة الجمعة، ثم قدمت المدينة في آخر الشهر فسألني عبد الله بن عباس، ثم ذكر الهلال فقال‏:‏ متى رأيتم الهلال‏؟‏ فقلت‏:‏ رأيته ليلة الجمعة، فقال‏:‏ أنت رأيته‏؟‏ فقلت نعم ورآه الناس وصاموا وصام معاوية قال‏:‏ لكنا رأيناه ليلة السبت فلا نزال نصوم حتى نكمل ثلاثين يوما أو نراه، فقلت‏:‏ ألا تكتفي برؤية معاوية‏؟‏ فقال لا، هكذا أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام، فظاهر هذا الأثر يقتضي أن لكل بلد رؤيته قرب أو بعد، والنظر يعطي الفرق بين البلاد النائية والقريبة، وبخاصة ما كان نأيه في الطول والعرض كثيرا، وإذا بلغ الخبر مبلغ التواتر لم يحتج فيه إلى شهادة، فهذه هي المسائل التي تتعلق بزمان الوجوب‏.‏ وأما التي تتعلق بزمان الإمساك فإنهم اتفقوا على أن آخره غيبوبة الشمس لقوله تعالى -ثم أتموا الصيام إلى الليل- واختلفوا في أوله، فقال الجمهور هو طلوع الفجر الثاني المستطير الأبيض لثبوت ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، أعني حده بالمستطير ولظاهر قوله تعالى -حتى يتبين لكم الخيط الأبيض- الآية‏.‏ وشذت فرقة فقالوا‏:‏ هو الفجر الأحمر الذي يكون بعد الأبيض وهو نظير الشفق الأحمر، وهو مروي عن حذيفة وابن مسعود‏.‏ وسبب هذا الخلاف هو إختلاف الآثار في ذلك واشتراك اسم الفجر، أعني أنه يقال على الأبيض والأحمر‏.‏ وأما الآثار التي احتجوا بها فمنها حديث ذر عن حذيفة قال ‏"‏تسحرت مع النبي صلى الله عليه وسلم ولو أشاء أن أقول هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع‏"‏ وخرج أبو داود عن قيس بن مطلق عن أبيه أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏"‏كلوا واشربوا ولا يُهِيدَنَّكم‏ [هكذا بالنسخة المصرية، وبالنسخة المغربية‏:‏ ‏"‏ولا يهمزنكم‏"‏، فتأمل‏] الساطع المصعد فكلوا واشربوا حتى يعترض لكم الأحمر‏"‏ قال أبو داود‏:‏ هذا ما تفرد به أهل اليمامة وهذا شذوذ، فإن قوله تعالى -حتى يتبين لكم الخيط الأبيض- نص في ذلك أو كالنص، والذين رأوا أنه الفجر الأبيض المستطير وهم الجمهور والمعتمد اختلفوا في الحد المحرم للأكل فقال قوم‏:‏ هو طلوع الفجر نفسه‏.‏ وقال قوم هو تبينه عند الناظر إليه ومن لم يتبينه، فالأكل مباح له حتى يتبينه وإن كان قد طلع، وفائدة الفرق أنه إذا انكشف أن ماظن من أنه لم يطلع، كان قد طلع‏.‏ فمن كان الحد عنده هو الطلوع نفسه أوجب عليه القضاء، ومن قال‏:‏ هو العلم الحاصل به لم يوجب عليه قضاء‏.‏ وسبب الإختلاف في ذلك الإحتمال الذي في قوله تعالى -وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر- هل الإمساك بالتبيين نفسه أو بالشيء المتبين‏؟‏ لأن العرب تتجوز فتستعمل لاحق الشيء بدل الشيء على وجه الإستعارة فكأنه قال تعالى -وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود- لأنه إذا تبين في نفسه تبين لنا، فإذا إضافة التبيين لنا هي التي أوقعت الخلاف، لأنه قد يتبين في نفسه ويتميز ولا يتبين لنا، وظاهر اللفظ يوجب تعلق الإمساك بالعلم والقياس يوجب تعلقه بالطلوع نفسه، أعني قياسا على الغروب وعلى سائر حدود الأوقات الشرعية كالزوال وغيره فإن الإعتبار في جميعها في الشرع هو بالأمر نفسه لا بالعلم المتعلق به‏.‏ والمشهور عن مالك وعليه الجمهور أن الأكل يجوز أن يتصل بالطلوع، وقيل بل يجب الإمساك قبل الطلوع‏.‏ والحجة للقول الأول ما في كتاب البخاري أظنه في بعض رواياته قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏وكلوا واشربوا حتى ينادي ابن أم مكتوم فإنه لا ينادي حتى يطلع الفجر‏"‏ وهو نص في موضع الخلاف أو كالنص والموافق لظاهر قوله تعالى -كلوا واشربوا- الآية‏.‏ ومن ذهب إلى أنه يجب الإمساك قبل الفجر فجريا على الإحتياط وسدا للذريعة وهو أورع القولين والأول أقيس، والله أعلم‏.‏

- الركن الثاني وهو الإمساك‏:‏

وأجمعوا على أنه يجب على الصائم الإمساك زمان الصوم عن المطعوم والمشروب والجماع لقوله تعالى ‏{‏فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر‏}‏ واختلفوا من ذلك في مسائل منها مسكوت عنها ومنها منطوق بها أما المسكوت عنها‏:‏ إحداها فيما يرد الجوف مما ليس بمغذ وفيما يرد الجوف من غير منفذ الطعام والشراب مثل الحقنة، وفيما يرد باطن سائر الأعضاء ولا يرد الجوف مثل أن يرد الدماغ ولا يرد المعدة‏.‏ وسبب اختلافهم في هذه هو قياس المغذي على غير المغذي، وذلك أن المنطوق به إنما هو المغذي، فمن رأى أن المقصود بالصوم معنى معقول لم يلحق المغذي بغير المغذي، ومن رأى أنها عبادة غير معقولة، وأن المقصود منها إنما هو الإمساك فقط عما يرد الجوف سوى بين المغذي وغير المغذي، وتحصيل مذهب مالك أنه يجب الإمساك عن ما يصل إلى الحلق من أي المنافذ وصل مغذيا كان أو غير مغذ‏.‏ وأما ما عدا المأكول والمشروب من المفطرات فكلهم يقولون إن من قبل فأمنى فقد أفطر وإن أمذى فلم يفطر إلا مالك‏.‏ واختلفوا في القبلة للصائم، فمنهم من أجازها، ومنهم من كرهها للشاب وأجازها للشيخ ومنهم من كرهها على الإطلاق، فمن رخص فيها فلما روى من حديث عائشة وأم سلمة ‏"‏أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يقبل وهو صائم‏"‏ ومن كرهها فلما يدعوا إليه من الوقاع‏.‏ وشذ قوم فقالوا‏:‏ القبلة تفطر، واحتجوا لذلك بما روي عن ميمونة بنت سعد قالت ‏"‏سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القبلة للصائم فقال‏:‏ ‏"‏أفطرا جميعا‏"‏ خرج هذا الأثر الطحاوي ولكن ضعفه‏.‏ وأما ما يقع من هذه من قبل الغلبة ومن قبل النسيان فالكلام فيه عند الكلام في المفطرات وأحكامها‏.‏ وأما ما اختلفوا فيه مما هو منطوق به فالحجامة والقيء‏.‏ أما الحجامة فإن فيها ثلاثة مذاهب‏:‏ قوم قالوا‏:‏ إنها تفطر وأن الإمساك عنها واجب، وبه قال أحمد وداود والأوزاعي وإسحق بن راهويه وقوم قالوا‏:‏ إنها مكروهة للصائم وليست تفطر، وبه قال مالك والشافعي والثوري‏.‏ وقوم قالوا‏:‏ إنها غير مكروهة ولا مفطرة، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه‏.‏ وسبب اختلافهم تعارض الآثار الواردة في ذلك، وذلك أنه ورد في ذلك حديثان‏:‏ أحدهما ما روي من طريق ثوبان ومن طريق رافع بن خديج أنه عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏"‏أفطر الحاجم والمحجوم‏"‏ وحديث ثوبان هذا كان يصححه أحمد‏.‏ والحديث الثاني حديث عكرمة عن ابن عباس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم احتجم وهو صائم‏"‏ وحديث ابن عباس هذا صحيح؛ فذهب العلماء في هذين الحديثين ثلاثة مذاهب‏:‏ أحدها مذهب الترجيح‏.‏ والثاني مذهب الجمعة‏.‏ والثالث مذهب الإسقاط عند التعارض والرجوع إلى البراءة الأصلية إذا لم يعلم الناسخ من المنسوخ، فمن ذهب مذهب الترجيح قال بحديث ثوبان، وذلك أن هذا موجب حكما، وحديث ابن عباس رافعه، والموجب مرجح عند كثير من العلماء على الرافع لأن الحكم إذا ثبت بطريق يوجب العمل لم يرتفع إلا بطريق يوجب العمل برفعه، وحديث ثوبان قد وجب العمل به، وحديث ابن عباس يحتمل أن يكون ناسخا ويحتمل أن يكون منسوخا، وذلك شك والشك لا يوجب عملا ولا يرفع العلم الموجب للعمل، وهذا على طريقة من لا يرى الشك مؤثرا في العلم، ومن رام الجمع بينهما حمل حديث النهي على الكراهية وحديث الإحتجام على الحظر، ومن أسقطهما للتعارض قال بإباحة الإحتجام للصائم‏.‏ وأما القيء فإن جمهور الفقهاء على أن من ذرعه القيء فليس بمفطر، إلا ربيعة فإنه قال‏:‏ إنه مفطر، وجمهورهم أيضا على أنه من استقاء فقاء فإنه مفطر إلا طاوس‏.‏ وسبب اختلافهم ما يتوهم من التعارض بين الأحاديث الواردة في هذه المسألة اختلافهم أيضا في تصحيحها، وذلك أنه ورد في هذا الباب حديثان أحدهما حديث أبي الدرداء ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر‏"‏ قال معدان‏:‏ فلقيت ثوبان في مسجد دمشق فقلت له أن أبا الدرداء حدثني ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قاء فأفطر، قال‏:‏ صدق أنا صببت له وضوءه‏"‏ وحديث ثوبان هذا صححه الترمذي‏.‏ والآخر حديث أبي هريرة خرجه الترمذي وأبو داود أيضا أن النبي عليه الصلاة والسلام قال‏:‏ ‏"‏من ذرعه القيء وهو صائم فليس عليه قضاء وإن استقاء فعليه القضاء‏"‏ وروى موقوفا عن ابن عمر؛ فمن لم يصح عنده الأثران كلاهما قال‏:‏ ليس فيه فطر أصلا، ومن أخذ بظاهر حديث ثوبان ورجحه على حديث أبي هريرة أوجب الفطر من القيء بإطلاق، ولم يفرق بين أن يستقيء أو لا يستقيء؛ ومن جمع بين الحديثين وقال حديث ثوبان مجمل وحديث أبي هريرة مفسر والواجب حمل المجمل على المفسر فرق بين القئ والإستقاءة، وهو الذي عليه الجمهور

- الركن الثالث وهو النية‏:‏

والنظر في النية في مواضع منها هل هي شرط في صحة هذه العبادة أم ليست بشرط‏؟‏ وإن كانت شرطا فما الذي يجزئ من تعيينها‏؟‏ وهل يجب تجديدها في كل يوم من أيام رمضان أم يكفي في ذلك النية الواقعة في اليوم الأول‏؟‏ وإذا أوقعها المكلف فأي وقت إذا وقعت فيه صح الصوم‏؟‏ وإذا لم تقع فيه بطل الصوم‏؟‏ وهل رفض النية يوجب الفطر وإن لم يفطر‏؟‏ وكل هذه المطالب قد اختلف العلماء فيها‏.‏ أما كون النية شرطا في صحة الصيام فإنه قول الجمهور؛ وشذ زفر فقال‏:‏ لا يحتاج رمضان إلى النية إلا أن يكون الذي يدركه صيام شهر رمضان مريضا أو مسافرا فيريد الصوم‏.‏ والسبب في اختلافهم الإحتمال المتطرق إلى الصوم هل هو عبادة معقولة المعنى أو غير معقولة المعنى‏؟‏ فمن رأى أنها غير معقولة المعنى أوجب النية، ومن رأى أنها معقولة المعنى قال‏:‏ قد حصل المعنى إذا صام وإن لم ينو، لكن تخصيص زفر رمضان بذلك من بين أنواع الصوم فيه ضعف، وكأنه لما رآى أن أيام رمضان لا يجوز فيها الفطر، أي أن كل صوم يقع فيها ينقلب صوما شرعيا، وأن هذا شيء يخص هذه الأيام‏.‏ وأما اختلافهم في تعيين النية المجزية في ذلك فإن مالكا قال‏:‏ لا بد في ذلك من تعيين صوم رمضان، ولا يكفيه اعتقاد الصوم مطلقا ولا اعتقاد صوم معين غير صوم رمضان‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ إن اعتقد مطلق الصوم أجزأه، وكذلك إن نوى فيه صيام غير رمضان أجزأه وانقلب إلى صيام رمضان إلا أن يكون مسافرا، فإنه إذا نوى المسافر عنده في رمضان صيام غير رمضان كان ما نوى، لأنه لم يجب عليه صوم رمضان وجوبا معينا، ولم يفرق صاحباه بين المسافر والحضر وقالا‏:‏ كل صوم نوى في رمضان انقلب إلى رمضان‏.‏ وبسبب اختلافهم هل الكافي في تعيين النية في هذه العبادة هو تعيين جنس العبادة أو تعيين شخصها، وذلك أن كلا الأمرين موجود في الشرع، مثال ذلك أن النية في الوضوء يكفي منها اعتقاد رفع الحدث لأي شيء كان من العبادة التي الوضوء شرط في صحتها، وليس يختص عبادة عبادة بوضوء وضوء‏.‏

وأما الصلاة فلا بد فيها من تعيين شخص العبادة، فلا بد من تعيين الصلاة إن عصرا فعصرا، وإن ظهرا فظهرا، وهذا كله على المشهور عند العلماء، فتردد الصوم عند هؤلاء بين هذين الجنسين، فمن ألحقه بالجنس الواحد قال‏:‏ يكفي في ذلك اعتقاد الصوم فقط، ومن ألحقه بالجنس الثاني اشترط تعيين الصوم‏.‏ واختلافهم أيضا في إذا نوى في أيام رمضلن صوما آخر هل ينقلب أو لا ينقلب‏؟‏ سببه أيضا أن من العبادة عندهم من ينقلب من قبل أن الوقت الذي توقع فيه مختص بالعبادة التي تنقلب إليه، ومنها ما ليس ينقلب، أما التي لا تنقلب فأكثرها، وأما التي تنقلب باتفاق فالحج‏.‏ وذلك أنهم قالوا إذا ابتدأ الحج تطوعا من وجب عليه الحج انقلب التطوع إلى فرض، ولم يقولوا ذلك في الصلاة ولا في غيرها، فمن شبه الصوم بالحج قال ينقلب ومن شبهه بغيره من العبادات قال لا ينقلب‏.‏ وأما اختلافهم في وقت النية، فإن مالكا رأى أنه لا يجزئ الصيام إلا بنية قبل الفجر، وذلك في جميع أنواع الصوم؛ وقال الشافعي‏:‏ تجزئ النية بعد الفجر في النافلة ولا تجزئ في الفروض‏.‏ وقال أبو حنيفة‏:‏ تجزئ النية بعد الفجر في الصيام المتعلق وجوبه بوقت معين مثل رمضان ونذر أيام محدودة، وكذلك في النافلة، ولا يجزئ في الواجب في الذمة‏.‏ والسبب في اختلافهم تعارض الآثار في ذلك؛ أما الآثار المتعارضة في ذلك، فأحدها ما خرجه البخاري عن حفصة أنه قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏من لم يبيت الصيام من الليل فلا صيام له‏"‏ ورواه مالك موقوفا قال أبو عمر‏:‏ حديث حفصة في إسناده اضطراب‏.‏ والثاني ما رواه مسلم عن عائشة قالت ‏"‏قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم‏:‏ يا عائشة هل عندكم شيء‏؟‏ قالت‏:‏ قلت يارسول الله ما عندنا شيء، قال فإني صائم‏"‏ ولحديث معاوية أنه قال على المنبر‏:‏ يا أهل المدينة أين علماؤكم سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏"‏اليوم هذا يوم عاشوراء ولم يكتب علينا صيامه وأنا صائم فمن شاء منكم فليصم ومن شاء فليفطر‏"‏ فمن ذهب مذهب الترجيح أخذ بحديث حفصة، ومن ذهب مذهب الجمع فرق بين النفل والفرض، أعني حمل حديث حفصة على الفرض، وحديث عائشة ومعاوية على النفل، وإنما فرق أبو حنيفة بين الواجب المعين والواجب في الذمة، لأن الواجب المعين له وقت مخصوص يقوم مقام النية في التعيين، الذي في الذمة ليس له وقت مخصوص، فأوجب أن التعيين بالنية؛ وجمهور الفقهاء على أنه ليست الطهارة من الجنابة شرطا في صحة الصوم لما ثبت من حديث عائشة وأم سلمة زوجي النبي صلى الله عليه وسلم أنهما قالتا ‏"‏كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصبح جنبا من جماع غير احتلام في رمضان ثم يصوم‏"‏ ومن الحجة لهما الإجماع على أن الإحتلام بالنهار لا يفسد الصوم‏.‏ وروي عن إبراهيم النخعي وعروة بن الزبير وطاوس أنه إن تعمد ذلك أفسد صومه‏.‏ وسبب اختلافهم ما روي عن أبي هريرة أنه كان يقول ‏"‏من أصبح جنبا في رمضان أفطر‏"‏ وروي عنه أنه قال‏:‏ ما أنا قلته، محمد صلى الله عليه وسلم قاله ورب الكعبة‏.‏

وذهب ابن الماجشون من أصحاب مالك أن الحائض إذا طهرت قبل الفجر فأخرت الغسل إلى يومها يوم فطر وأقاويل هؤلاء شاذة ومردودة بالسنن المشهورة الثابتة‏.‏

- القسم الثاني من الصوم المفروض‏:‏

وهو الكلام في الفطر وأحكامه‏:‏ والمفطرون في الشرع على ثلاثة أقسام‏:‏ صنف يجوز له الفطر والصوم بإجماع‏.‏ وصنف يجب عليه الفطر على اختلاف في ذلك بين المسلمين‏.‏ وصنف لا يجوز له الفطر، وكل واحد من هؤلاء تتعلق به أحكام‏.‏ أما الذين يجوز لهم الأمران‏:‏ فالمريض بإتفاق، والمسافر باختلاف، والحامل والمرضع والشيخ الكبير‏.‏ وهذا التقسيم كله مجمع عليه‏.‏ فأما المسافر فالنظر فيه في مواضع منها‏:‏ هل إن صام أجزأه صومه أم ليس يجزيه‏؟‏ وهل إن كان يجزئ المسافر صومه الأفضل له الصوم أو الفطر أو هو مخير بينهما‏؟‏ وهل الفطر الجائز له هو في سفر محدود أم في كل ما ينطلق عليه اسم السفر في وضع اللغة‏؟‏ ومتى يفطر المسافر‏؟‏ ومتى يمسك‏؟‏ وهل إذا مر بعض الشهر له أن ينشئ السفر أم لا‏؟‏ ثم إذا أفطر ما حكمه‏؟‏ وأما المريض فالنظر فيه أيضا في تحديد المرض الذي يجوز له فيه الفطر وفي حكم الفطر‏.‏

‏(‏أما  المسألة الأولى‏)‏ وهي إن صام المريض والمسافر هل يجزيه صومه عن فرضه أم لا‏؟‏ فإنهم اختلفوا في ذلك، فذهب الجمهور إلى أنه إن صام وقع صيامه وأجزأه، وذهب أهل الظاهر إلى أنه لا يجزيه وأن فرضه هو أيام أخر‏.‏ والسبب في اختلافهم تردد قوله تعالى ‏{‏فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر‏}‏ بين أن يحمل على الحقيقة فلا يكون هنالك محذوف أصلا، أو يحمل على المجاز فيكون التقدير فأفطر فعدة من أيام أخر، وهذا الحذف في الكلام هو الذي يعرفه أهل صناعة الكلام بلحن الخطاب، فمن حمل الآية على الحقيقة ولم يحملها على المجاز قال‏:‏ إن فرض المسافر عدة من أيام أخر لقوله تعالى ‏{‏فعدة من أيام أخر‏}‏ ومن قدر فأفطر قال‏:‏ إنما فرضه عدة من أيام أخر إذا أفطر‏.‏ وكلا الفريقين يرجح تأويله بالآثار الشاهدة لكلا المفهومين‏.‏ وإن كان الأصل هو أن يحمل الشيء على الحقيقة حتى يدل الدليل على حمله على المجاز‏.‏ أما الجمهور فيحتجون لمذهبهم بما ثبت من حديث أنس قال ‏"‏سافرنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في رمضان فلم يعب الصائم على المفطر ولا المفطر على الصائم‏"‏ وبما ثبت عنه أيضا أنه قال‏:‏ كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسافرون فيصوم بعضهم ويفطر بعضهم‏.‏ فأهل الظاهر يحتجون لمذهبهم بما ثبت عن ابن عباس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج إلى مكة عام الفتح في رمضان، فصام حتى بلغ الكديد ثم أفطر فأفطر الناس‏"‏ وكانوا يأخذون بالأحدث فالأحدث من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قالوا‏:‏ وهذا يدل على نسخ الصوم‏.‏ قال أبو عمر‏:‏ والحجة على أهل الظاهر إجماعهم على أن المريض إذا صام أجزأه صومه‏.‏

‏(‏وأما  المسألة الثانية‏)‏ وهي هل الصوم أفضل أو الفطر‏؟‏ إذا قلنا أنه من أهل الفطر على مذهب الجمهور؛ فإنهم اختلفوا في ذلك على ثلاثة مذاهب‏:‏ فبعضهم رأى أن الصوم أفضل، وممن قال بهذا القول مالك وأبو حنيفة‏.‏ وبعضهم رأى أن الفطر أفضل، وممن قال بهذا القول أحمد وجماعة‏.‏ وبعضهم رأى أن ذلك على التخيير، وأنه ليس أحدهما أفضل‏.‏ والسبب في اختلافهم معارضة المفهوم من ذلك لظاهر بعض المنقول، ومعارضة المنقول بعضه لبعض وذلك أن المعنى المعقول من إجازة الفطر للصائم إنما هو الرخصة له لمكان رفع المشقة عنه، وما كان رخصة فالأفضل ترك الرخصة، ويشهد لهذا حديث حمزة بن عمرو الأسلمي خرجه مسلم أنه قال ‏"‏يا رسول الله أجد فيَّ قوة على الصيام في السفر فهل عليَّ من جناح‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن، ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه‏"‏ وأما ما ورد من قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ليس من البر أن تصوم في السفر‏"‏ ومن أنَّ آخر فعله عليه الصلاة والسلام كان الفطر، فيوهم أن الفطر أفضل، لكن الفطر لما كان ليس حكما وإنما هو فعل المباح عسر على الجمهور أن يضعوا المباح أفضل من الحكم‏.‏ وأما من خيِّر في ذلك فلمكان حديث عائشة قالت ‏"‏سأل حمزة بن عمرو الأسلمي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الصيام في السفر فقال‏:‏ إن شئت فصم وإن شئت فأفطر‏"‏ خرجه مسلم‏.‏

‏(‏وأما  المسألة الثالثة‏)‏

وهي هل الفطر الجائز للمسافر هو في سفر محدود أو في سفر غير محدود‏.‏ فإن العلماء اختلفوا فيها؛ فذهب الجمهور إلى أنه إنما يفطر في السفر الذي تقصر فيه الصلاة، وذلك على حسب اختلافهم في هذه المسألة‏.‏ وذهب قوم إلى أنه يفطر في كل ما ينطلق عليه اسم سفر وهم أهل الظاهر‏.‏ والسبب في اختلافهم معارضة ظاهر اللفظ للمعنى، وذلك أن ظاهر اللفظ أن كل من ينطلق عليه اسم مسافر فله أن يفطر لقوله تعالى ‏{‏فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر‏}‏ وأما المعنى المعقول من إجازة الفطر في السفر فهو المشقة، ولما كانت لا توجد في كل سفر وجب أن يجوز الفطر في السفر الذي فيه المشقة ولما كان الصحابة كأنهم مجمعون على الحد في ذلك وجب يقاس ذلك على الحد في تقصير الصلاة‏.‏ وأما المرض الذي يجوز فيه الفطر، فإنهم اختلفوا فيه أيضا، فذهب قوم إلى أنه المرض الذي يلحق من الصوم فيه مشقة وضرورة، وبه قال مالك‏.‏ وذهب قوم إلى أنه المرض الغالب، وبه قال أحمد‏.‏ وقال قوم إذا انطلق عليه اسم المريض أفطر‏.‏ وسبب اختلافهم هو بعينه سبب اختلافهم في حد السفر‏.‏

‏(‏وأما  المسألة الخامسة‏)‏ ‏[‏لا يوجد رابعة‏؟‏‏؟‏‏]‏

وهي متى يفطر المسافر ومتى يمسك، فإن قوما قالوا‏:‏ يفطر يومه الذي خرج فيه مسافرا، وبه قال الشعبي والحسن وأحمد‏.‏ وقالت طائفة‏:‏ لا يفطر يومه ذلك، وبه قال فقهاء الأمصار‏.‏ واستحب جماعة العلماء لمن علم أنه يدخل المدينة أول يومه ذلك أن يدخل صائما، وبعضهم في ذلك أكثر تشديدا من بعض وكلهم لم يوجبوا على من دخل مفطرا كفارة‏.‏ واختلفوا في من دخل وقد ذهب بعض النهار، فذهب مالك والشافعي على أنه يتمادى على فطره‏.‏ وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ يكف عن الأكل، وكذلك الحائض عنده تطهر تكف عن الأكل‏.‏ والسبب في اختلافهم في الوقت الذي يفطر فيه المسافر هو معارضة الأثر للنظر‏.‏ أما الأثر فإنه ثبت من حديث ابن عباس ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صام حتى بلغ الكديد ثم أفطر وأفطر الناس معه‏"‏ وظاهر هذا أنه أفطر بعد أن بيت الصوم‏.‏ وأما الناس فلا يشك أنهم أفطروا بعد تبييتهم الصوم، وفي هذا المعنى أيضا حديث جابر بن عبد الله ‏"‏أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خرج عام الفتح إلى مكة، فسار حتى بلغ كراع الغميم وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس إليه ثم شرب، فقيل له بعد ذلك إن بعض الناس قد صام فقال‏:‏ ‏"‏أولئك العصاة أولئك العصاة‏"‏ وخرج أبو داود عن أبي نضرة الغفاري أنه لما تجاوز البيوت دعا بالسفرة، قال جعفر راوي الحديث‏:‏ فقلت‏:‏ ألست تؤم البيوت‏؟‏ فقال‏:‏ أترغب عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قال جعفر‏:‏ فأكل‏.‏ وأما النظر فلما كان المسافر لا يجوز له إلا أن يبيت الصوم ليلة سفره لم يجز له أن يبطل صومه وقد بيته لقوله تعالى ‏{‏ولا تبطلوا أعمالكم‏}‏ وأما اختلافهم في إمساك الداخل في أثناء النهار عن الأكل أو لا إمساكه‏.‏ فالسبب في اختلافهم في تشبيه من يطرأ عليه في يوم شك أفطر فيه الثبوت أنه من رمضان، فمن شبهه به قال يمسك عن الأكل، ومن لم يشبهه به قال لا يمسك عن الأكل، لأن الأول أكل لموضع الجهل، وهذا أكل لسبب مبيح أو موجب للأكل‏.‏ والحنفية تقول‏:‏ كلاهما سببان موجبان للإمساك عن الأكل بعد إباحة الأكل‏.‏

‏(‏وأما  المسألة السادسة‏)‏

وهي هل يجوز للصائم في رمضان أن ينشيء سفرا ثم لا يصوم فيه، فإن الجمهور على أنه يجوز ذلك له‏.‏ وروي عن بعضهم وهو عبيدة السلماني وسويد بن غفلة وابن مجلز أنه إن سافر فيه صام ولم يجيزوا له الفطر‏.‏ والسبب في اختلافهم اختلافهم في مفهوم قوله تعالى ‏{‏فمن شهد منكم الشهر فليصمه‏}‏ وذلك أنه يحتمل أن يفهم منه أن من شهد أن الواجب أن يصوم ذلك البعض الذي شهده، وذلك أنه لما كان المفهوم باتفاق أن من شهده كله فهو يصومه كله كأن من شهد بعضه فهو يصوم بعضه، ويؤيد تأويل الجمهور إنشاء رسول الله صلى الله عليه وسلم السفر في رمضان‏.‏ وأما حكم المسافر إذا أفطر فهو القضاء باتفاق وكذلك المريض لقوله تعالى ‏{‏فعدة من أيام أخر‏}‏ ما عدا المريض بإغماء أو جنون، فإنهم اختلفوا في وجوب القضاء عليه، وفقهاء الأمصار على وجوبه على المغمى عليه واختلفوا في المجنون، ومذهب مالك وجوب القضاء عليه وفيه ضعف لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏وعن المجنون حتى يفيق‏"‏ والذين أوجبوا عليهم القضاء اختلفوا في كون الإغماء والجنون مفسداً للصوم، فقوم قالوا إنه مفسد، وقوم قالوا‏:‏ ليس بمفسد، وقوم فرقوا بين أن يكون أغمي عليه بعد الفجر أو قبل الفجر، وقوم قالوا‏:‏ إن أغمي عليه بعد مضي أكثر النهار أجزأه، وإن أغمي عليه في أول النهار قضى، وهو مذهب مالك، وهذا كله فيه ضعف، فإن الإغماء والجنون صفة يرتفع بها التكليف وبخاصة الجنون، إذا ارتفع التكليف لم يوصف لمفطر ولا صائم فكيف يقال في الصفة التي ترفع التكليف إنها مبطلة للصوم إلا كما يقال في الميت أو في من لا يصح منه العمل إنه قد بطل صومه وعمله‏.‏ ويتعلق بقضاء المسافر والمريض مسائل‏:‏ منها هل يقضيان ما عليهما متتابعا أم لا‏؟‏ ومنها ماذا عليهما إذا أخرا القضاء بغير عذر إلى أن يدخل رمضان آخر‏؟‏ ومنها إذا ماتا ولم يقضيا هل يصوم عنهما وليهما أو لا يصوم‏؟‏

‏(‏أما المسألة الأولى‏)‏ فإن بعضهم أوجب أن يكون القضاء متتابعا على صفة الأداء، وبعضهم لم يوجب ذلك، وهؤلاء منهم من خير ومنهم من استحب التتابع، والجماعة على ترك إيجاب التتابع‏.‏ وسبب اختلافهم تعارض ظواهر اللفظ والقياس، وذلك أن القياس يقتضي أن يكون الأداء على صفة القضاء أصل ذلك الصلاة والحج‏.‏ أما ظاهر قوله تعالى ‏{‏فعدة من أيام أخر‏}‏ فإنما يقتضي إيجاب العدد فقط لا إيجاب التتابع‏.‏ وروي عن عائشة أنها قالت‏:‏ نزلت فعدة من أيام أخر متتابعات فسقط ‏{‏متتابعات‏}‏ ‏.‏ وأما إذا أخر القضاء حتى دخل رمضان آخر؛ فقال قوم‏:‏ يجب عليه بعد صيام رمضان الداخل القضاء والكفارة، وبه قال مالك والشافعي وأحمد‏.‏ وقال قوم‏:‏ لا كفارة عليه وبه قال الحسن البصري وإبراهيم النخعي‏.‏ وسبب اختلافهم هل تقاس الكفارات بعضها على بعض أم لا‏؟‏ فمن لم يجز القياس في الكفارات قال‏:‏ إنما عليه القضاء فقط‏.‏ ومن أجاز القياس في الكفارات قال‏:‏ عليه كفارة قياسا على من أفطر متعمدا لأن كليهما مستهين بحرمة الصوم‏.‏ أما هذا فبترك القضاء زمان القضاء، وأما ذلك فبالأكل في يوم لا يجوز فيه الأكل، وإنما كان يكون القياس مستندا لو ثبت أن للقضاء زمنا محدودا بنص من الشارع، لأن أزمنة الأداء هي المحدودة في الشرع، وقد شذ قوم فقالوا‏:‏ إذا اتصل مرض المريض حتى يدخل رمضان آخر أنه لا قضاء عليه وهذا مخالف للنص‏.‏ وأما إذا مات وعليه صوم فإن قوما قالوا‏:‏ لا يصوم أحد عن أحد‏.‏ وقوم قالوا يصوم عنه وليه، والذين لم يوجبوا الصوم قالوا‏:‏ يطعم عنه وليه، وبه قال الشافعي‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ لا صيام ولا إطعام إلا أن يوصي به، وهو قول مالك‏.‏ وقال أبو حنيفة يصوم، فإن لم يستطع أطعم وفرق قوم بين النذر والصيام المفروض فقالوا يصوم عنه وليه في النذر ولا يصوم في الصيام المفروض والسبب في اختلافهم معارضة القياس للأثر وذلك أنه ثبت عنه من حديث عائشة أنه قال عليه الصلاة والسلام ‏"‏من مات وعليه صيام صامه عنه وليه‏"‏ خرجه مسلم، وثبت عنه أيضا من حديث ابن عباس أنه قال ‏"‏جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يارسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر أفأقضيه عنها‏؟‏ فقال‏:‏ لو كان على أمك دين أكنت قاضيه عنها‏؟‏ قال نعم، قال‏:‏ فدين الله أحق بالقضاء‏"‏ فمن رأى أن الأصول تعارضه، وذلك أنه كما أنه لا يصلي أحد عن أحد ولا يتوضأ أحد عن أحد وكذلك لا يصوم أحد عن أحد قال‏:‏ لا صيام على الولي، ومن أخذ بالنص في ذلك قال‏:‏ بإيجاب الصيام عليه، ومن لم يأخذ بالنص في ذلك قصر الوجوب على النذر، ومن قاس رمضان عليه قال‏:‏ يصوم عنه في رمضان‏.‏ وأما من أوجب الإطعام فمصيرا إلى قراءة من قرأ ‏{‏وعلى الذين يطيقونه فدية‏}‏ الآية‏.‏

‏-القسم الثاني من الصوم المفروض‏:‏‏

ومن خير في ذلك فجمعا بين الآية والأثر، فهذه هي أحكام المسافر والمريض من الصنف الذي يجوز لهم الفطر والصوم‏.‏ وأما باقي هذا الصنف وهو المرضع والحامل والشيخ الكبير، فإن فيه مسألتين مشهورتين‏:‏ إحداهما الحامل والمرضع إذا أفطرتا ماذا عليهما‏؟‏ وهذه المسألة للعلماء فيها أربعة مذاهب‏:‏ أحدها أنهما يطعمان ولا قضاء عليهما، وهو مروي عن ابن عمر وابن عباس‏.‏ والقول الثاني أنهما يقضيان فقط ولا إطعام عليهما وهو مقابل الأول وبه قال أبو حنيفة وأصحابه وأبو عبيد وأبو ثور‏.‏ والثالث أنهما يقضيان ويطعمان وبه قال الشافعي والقول الرابع أن الحامل تقضي ولا تطعم والمرضع تقضي وتطعم، وسبب اختلافهم تردد شبههما بين الذي يجهده الصوم وبين المريض، فمن شبههما بالمريض قال‏:‏ عليهما القضاء فقط، ومن شبههما بالذي يجهده الصوم قال عليهما الإطعام فقط بدليل قراءة من قرأ ‏{‏وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مساكين‏}‏ الآية‏.‏ وأما من جمع عليهما الأمرين فيشبه أن يكون رأى فيهما من كل واحد شبها فقال‏:‏ عليهما القضاء من جهة ما فيهما من شبه المريض وعليهما الفدية من جهة ما فيهما من شبه الذين يجهدهم الصيام، ويشبه أن يكون شبههما بالمفطر الصحيح لكن يضعف هذا، فإن الصحيح لا يباح له الفطر‏.‏ ومن فرق بين الحامل والمرضع ألحق الحامل بالمريض وأبقى حكم المرضع مجموعا من حكم المريض وحكم الذي يجهده الصوم أو شبهها بالصحيح ومن أفرد لهما أحد الحكمين أولى والله أعلم ممن جمع، كما أن من أفردهما بالقضاء أولى ممن أفردهما بالإطعام فقط لكون القراءة غير متواترة، فتأمل هذا فإنه بين‏.‏ وأما الشيخ الكبير والعجوز اللذان لا يقدران على الصيام فإنهم أجمعوا على أن لهما أن يفطرا، واختلفوا في ما عليهما إذا أفطرا، فقال قوم‏:‏ عليهما الإطعام‏.‏ وقال قوم ليس عليهما إطعام، وبالأول قال الشافعي وأبو حنيفة، وبالثاني قال مالك إلا أنه استحبه‏.‏ وأكثر من رأى الإطعام عليهما يقول مد عن كل يوم، وقيل إن حفن حفنات كما كان أنس يصنع أجزأه‏.‏ وسبب اختلافهم اختلافهم في القراءة التي ذكرناها، أعني قراءة من قرأ ‏{‏وعلى الذين يطوقونه‏}‏ فمن أوجب العمل بالقراءة التي لم تثبت في المصحف إذا وردت من طريق الآحاد العدول قال‏:‏ الشيخ منهم، ومن لم يوجب بها عملا جعل حكمه حكم المريض الذي يتمادى به المرض حتى الموت، فهذه هي أحكام الصنف من الناس الذين يجوز لهم الفطر، أعني أحكامهم المشهورة التي أكثرها منطوق به أو لها تعلق بالمنطوق به في الصنف الذي يجوز له الفطر‏.‏ وأما النظر في أحكام الصنف الذي يجوز له الفطر إذا أفطر، فإن النظر في ذلك يتوجه إلى من يفطر بجماع وإلى من يفطر بغير جماع وإلى من يفطر بأمر متفق عليه وإلى من يفطر بأمر مختلف عليه، أعني بشبهة أو بغير شبهة، وكل واحد من هذين إما أن يكون على طريق السهو أو طريق العمد أو طريق الإختيار أو طريق الإكراه‏.‏ أما من أفطر بجماع متعمدا في رمضان، فإن الجمهور على أن الواجب عليه القضاء والكفارة، لما ثبت من حديث أبي هريرة أنه قال ‏"‏جاء رجل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ هلكت يا رسول الله، قال‏:‏ وما أهلكك‏؟‏ قال وقعت على إمرأتي في رمضان، قال‏:‏ هل تجد ما تعتق به رقبة‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين‏؟‏ قال‏:‏ لا، قال‏:‏ فهل تجد ما تطعم به ستين مسكينا‏؟‏ قال‏:‏ لا، ثم جلس فأتى النبي صلى الله عليه وسلم بفرق فيه تمر فقال‏:‏ تصدق بهذا، فقال‏:‏ أعلى أفقر مني‏؟‏ فما بين لابتيها أهل بيت أحوج إليه منا، قال‏:‏ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم حتى بدت أنيابه ثم قال‏:‏ إذهب فأطعمه أهلك‏"‏ واختلفوا من ذلك في مواضع‏:‏ منها هل الإفطار متعمدا بالأكل والشرب حكمه كلإفطار في الجماع في القضاء والكفارة أم لا‏؟‏ ومنها إذا جامع ساهيا ماذا عليه‏؟‏ ومنها ماذا على المرأة إذا لم تكن مكرهة‏؟‏ ومنها هل الكفارة واجبة فيه مترتبة أو على التخيير‏؟‏ ومنها كم المقدار الذي يجب أن يعطى كل مسكين إذا كفر بالإطعام‏؟‏ ومنها هل الكفارة متكررة بتكرر الجماع أم لا‏؟‏ ومنها إذا لزمه الإطعام وكان معسرا هل يلزمه الإطعام إذا أثرى أم لا‏؟‏ وشذ قوم فلم يوجبوا على المفطر عمدا بالجماع إلا القضاء فقط، إما لأنه لم يبلغهم هذا الحديث، وأما أنه لم يكن الأمر عزمة في هذا الحديث، لأنه لو كان عزمة لوجب إذا لم يستطع الإعتاق أو الإطعام أن يصوم، ولا بد إذا كان صحيحا على ظاهر الحديث، وأيضا لو كان عزمة لأعلمه عليه الصلاة والسلام أنه إذا صح أنه يجب عليه الصيام أن لو كان مريضا وكذلك شذ قوم أيضا فقالوا‏:‏ ليس عليه إلا الكفارة فقط إذ ليس في الحديث ذكر القضاء، والقضاء الواجب بالكتاب إنما هو لمن أفطر ممن يجوز له الفطر، أو ممن لا يجوز له الصوم على الاختلاف الذي قررناه قبل في ذلك، فأما من أفطر متعمدا فليس في إيجاب القضاء عليه نص فيلحق في قضاء المتعمد الخلاف الذي لحق في قضاء تارك الصلاة عمدا حتى خرج وقتها، إلا أن الخلاف في هاتين المسألتين شاذ‏.‏ وأما الخلاف المشهور فهو في المسائل التي عددناها قبل‏.‏

‏(‏أما  المسألة الأولى‏)‏ وهي هل تجب الكفارة بالإفطار بالأكل والشرب متعمدا، فإن مالك وأصحابه وأبا حنيفة وأصحابه والثوري وجماعة ذهبوا إلى أن من أفطر متعمدا بأكل أو شرب أن عليه القضاء والكفارة المذكورة في هذا الحديث‏.‏ وذهب الشافعي وأحمد وأهل الظاهر إلى أن الكفارة إنما تلزم في الإفطار من الجماع فقط‏.‏ والسبب في اختلافهم اختلافهم في جواز قياس المفطر بالأكل والشرب على المفطر بالجماع، فمن رأى أن شبههما فيه واحد وهو انتهاك حرمة الصوم جعل حكمهما واحد‏.‏ ومن رأى أنه وإن كانت الكفارة عقابا لإنتهاك الحرمة فإنها أشد مناسبة للجماع منها لغيره، وذلك أن العقاب المقصود به الردع والعقاب الأكبر قد يوضع لما إليه النفس أميل وهو لها أغلب من الجنايات وإن كانت الجناية متقاربة إذ كان المقصود من ذلك إلتزام الناس بالشرائع، وأن يكونوا أخيارا عدولا كما قال تعالى ‏{‏كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون‏}‏ قال هذه الكفارة المغلظة خاصة بالجماع، وهذا إذا كان ممن يرى القياس‏.‏ وأما من لا يرى القياس فأمره بين أنه ليس يعدى حكم الجماع إلى الأكل والشرب‏.‏ وأما ما روى مالك في الموطأ أن رجلا أفطر في رمضان فأمره النبي صلى الله عليه وسلم بالكفارة المذكورة فليس بحجة لأن قول الراوي فأفطر هو مجمل، والمجمل ليس له عموم فيؤخذ به، لكن هذا قول على إن الراوي كان يرى أن الكفارة لموضع الإفطار، ولولا ذلك لما عبر بهذا اللفظ ولذكر النوع من الفطر الذي أفطر به‏.‏

‏(‏وأما  المسألة الثانية‏)‏ وهو إذا جامع ناسيا لصومه، فإن الشافعي وأبا حنيفة يقولان‏:‏ لا قضاء عليه ولا كفارة‏.‏ قال مالك‏:‏ عليه القضاء دون الكفارة‏.‏ وقال أحمد وأهل الظاهر عليه القضاء والكفارة وسبب اختلافهم في قضاء الناسي معارضة ظاهر الأثر في ذلك للقياس وأما القياس فهو تشبيه ناسي الصوم بناسي الصلاة، فمن شبهه بناسي الصلاة أوجب عليه القضاء كوجوبه بالنص على ناسي الصلاة‏.‏ وأما الأثر المعارض بظاهره لهذا القياس فهو ما خرجه البخاري ومسلم عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏"‏من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه فإنما أطعمه الله وسقاه‏"‏ وهذا الأثر يشهد له عموم قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏رفع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه‏"‏ ومن هذا الباب اختلافهم فيمن ظن أن الشمس قد غربت فأفطر ثم ظهرت الشمس بعد ذلك هل عليه قضاء أم لا‏؟‏ وذلك أن هذا مخطئ، والمخطئ والناسي حكمهما واحد، فكيفما قلنا فتأثير النسيان في إسقاط القضاء بين والله أعلم‏.‏ وذلك أنّا إن قلنا أن الأصل هو أن لا يلزم الناسي قضاء حتى يدل الدليل على ذلك وجب أن يكون النسيان لا يوجب القضاء في الصوم إذ لا دليل ههنا على ذلك بخلاف الأمر في الصلاة، وإن قلنا أن الأصل هو إيجاب القضاء حتى يدل الدليل على رفعه عن الناسي فقد دل الدليل في حديث أبي هريرة على رفعه عن الناسي، اللهم إلا أن يقول قائل‏:‏ إن الدليل الذي استثنى ناسي الصوم من ناسي سائر العبادات التي رفع عن تاركها الحرج بالنص هو قياس الصوم على الصلاة، ولكن إيجاب القضاء فيه ضعف، وإنما القضاء عند الأكثر واجب بأمر متجدد‏.‏ وأما من أوجب القضاء والكفارة على المجامع ناسيا فضعيف، فإن تأثير النسيان في إسقاط العقوبات بيّن في الشرع والكفارة من أنواع العقوبات وإنما أصارهم إلى ذلك أخذهم بمجمل الصفة المنقولة في الحديث أعني من أنه لم يذكر فيه أنه فعل ذلك عمدا ولا نسيانا، لكن من أوجب الكفارة على قاتل الصيد نسيانا لم يحفظ أصله في هذا مع أن النص إنما جاء في المتعمد، وقد كان يجب على أهل الظاهر أن يأخذوا بالمتفق عليه وهو إيجاب الكفارة على العامد إلى أن يدل الدليل على إيجابها على الناسي، أو يأخذوا بعموم قوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏رفع عن أمتي الخطأ والنسيان‏"‏ حتى يدل الدليل على التخصيص، ولكن كلا الفريقين لم يلزم أصله وليس في مجمل ما نقل من حديث الأعرابي حجة‏.‏ ومن قال من أهل الأصول إن ترك التفصيل في اختلاف الأحوال من الشارع بمنزلة العموم في الأقوال فضعيف، فإن الشارع لم يحكم قط إلا على مفصل وإنما الإجمال في حقنا‏.‏

‏(‏وأما  المسألة الثالثة‏)‏ وهو اختلافهم في وجوب الكفارة على المرأة إذا طاوعته على الجماع، فإن أبا حنيفة وأصحابه ومالكا وأصحابه أوجبوا عليها الكفارة، وقال الشافعي وداود‏:‏ لا كفارة عليها‏.‏ وسبب اختلافهم معارضة ظاهر الأثر للقياس، وذلك أنه عليه الصلاة والسلام لم يأمر المرأة في الحديث بالكفارة، والقياس أنها مثل الرجل إذ كان كلاهما مكلف‏.‏

‏(‏وأما  المسألة الرابعة‏)‏ وهي هل هذه الكفارة مرتبة ككفارة الظهار أو على التخيير، وأعني بالترتيب أن لا ينتقل المكلف إلى واحد من الواجبات المخيرة إلا بعد العجز عن الذي قبله، وبالتخيير أن يفعل منها ما شاء ابتداء من غير عجز عن الآخر فإنهم أيضا اختلفوا في ذلك، فقال الشافعي وأبو حنيفة والثوري وسائر الكوفيين‏:‏ هي غير مرتبة، فالعتق أولا، فإن لم يجد فالصيام، فإن لم يستطع فالإطعام‏.‏ وقال مالك‏:‏ هي على التخيير‏.‏ وروى عنه ابن القاسم مع ذلك أنه بستحب الإطعام أكثر من العتق ومن الصيام‏.‏ وسبب اختلافهم في وجوب الترتيب تعارض ظواهر الآثار في ذلك والأقيسة، وذلك أن ظاهر حديث الأعرابي المتقدم يوجب أنها على الترتيب إذ سأله النبي عليه الصلاة والسلام عن الاستطاعة عليها مرتبا، وظاهر ما رواه مالك من ‏"‏أن رجلا أفطر في رمضان فأمره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعتق رقبه أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا‏"‏ أنها على التخيير، إذ أو إنما تقتضي في لسان العرب التخيير، وإن كان ذلك من لفظ الراوي الصاحب، إذ كانوا هم أقعد بمفهوم الأحوال ودلالات الأقوال‏.‏ وأما الأقيسة المعارضة في ذلك فتشبيهها تارة بكفارة الظهار وتارة بكفارة اليمين، لكنها أشبه بكفارة الظهار منها بكفارة اليمين، وأخذ الترتيب من حكاية لفظ الراوي‏.‏ وأما استحباب مالك الإبتداء بالإطعام فمخالف لظواهر الآثار، وإنما ذهب إلى هذا من طريق القياس، لأنه رأى الصيام قد وقع بدله الإطعام في مواضع شتى من الشرع، وإنه مناسب له أكثر من غيره بدليل قراءة من قرأ ‏{‏وعلى الذين يطوقونه فدية طعام مساكين‏}‏ ولذلك استحب هو وجماعة من العلماء لمن مات وعليه صوم أن يكفر بالإطعام عنه، وهذا كأنه من باب ترجيح القياس الذي تشهد له الأصول على الأثر الذي لا تشهد له الأصول‏.‏

‏(‏وأما  المسألة الخامسة‏)‏ وهو اختلافهم في مقدار الإطعام، فإن مالكا والشافعي وأصحابهما قالوا‏:‏ يطعم لكل مسكين مدا بمد النبي صلى الله عليه وسلم وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ لا يجزئ أقل من مدين بمد النبي صلى الله عليه وسلم وذلك نصف صاع لكل مسكين‏.‏ وسبب اختلافهم معارضة القياس للأثر‏.‏ وأما القياس فتشبيه هذه الفدية بفدية الأذى المنصوص عليها‏.‏ وأما الأثر فما روي في بعض طرق حديث الكفارة أن الفرق كان فيه خمسة عشر صاعا، لكن ليس يدل كونه فيه خمسة عشر صاعا على الواجب من ذلك لكل مسكين إلا دلالة ضعيفة، وإنما يدل على أن بدل الصيام في هذه الكفارة هو هذا القدر‏.‏

‏(‏وأما  المسألة السادسة‏)‏ وهي تكرر الكفارة بتكرر الإفطار فإنهم أجمعوا على أن من وطئ في يوم رمضان ثم كفر ثم وطئ في يوم آخر أن عليه كفارة أخرى، وأجمعوا على أنه من وطئ مرارا في يوم واحد أنه ليس عليه إلا كفارة واحدة‏.‏ واختلفوا فيمن وطئ في يوم من رمضان ولم يكفر حتى وطئ في يوم ثان، فقال مالك والشافعي وجماعة‏:‏ عليه لكل يوم كفارة، وقال أبو حنيفة وأصحابه‏:‏ عليه كفارة واحدة ما لم يكفر عن الجماع الأول‏.‏ والسبب في اختلافهم تشبيه الكفارات بالحدود، فمن شبهها بالحدود قال‏:‏ كفارة واحدة تجزئ في ذلك عن أفعال كثيرة كما يلزم الزاني جلد واحد، وإن زنى ألف مرة إذا لم يحد لواحدة منها‏.‏ ومن لم يشبهها بالحدود جعل لكل واحد من الأيام حكما منفردا بنفسه في هتك الصوم فيه أوجب في كل يوم كفارة‏.‏ قالوا‏:‏ والفرق بينهما أن الكفارة فيها نوع من القربة‏.‏ والحدود زجر محض‏.‏

‏-القسم الثاني من الصوم المفروض‏:‏‏‏

‏(‏وأما  المسألة السابعة‏)‏ وهي هل يجب عليه الإطعام إذا أيسر وكان معسرا في وقت الوجوب فإن الأوزاعي قال‏:‏ لا شيء عليه إن كان معسرا‏.‏ وأما الشافعي فتردد في ذلك‏.‏ والسبب في اختلافهم في ذلك أنه حكم مسكوت عنه فيحتمل أن يشبه بالديون فيعود الوجوب عليه في وقت الإثراء، ويحتمل أن يقال‏:‏ لو كان ذلك واجبا عليه لبينه له عليه الصلاة والسلام، فهذه أحكام من أفطر متعمدا في رمضان مما أجمع على أنه مفطر‏.‏ وأما من أفطر مما هو مختلف فيه، فإن بعض من أوجب فيه الفطر أوجب فيه القضاء والكفارة وبعضهم أوجب فيه القضاء فقط، مثل من رأى الفطر في الحجامة ومن الاستقاء، ومن بلع الحصاة، ومثل المسافر يفطر أول يوم يخرج عند من يرى أنه ليس له أن يفطر في ذلك اليوم، فإن مالكا أوجب فيه القضاء والكفارة، وخالفه في ذلك سائر فقهاء الأمصار وجمهور أصحابه‏.‏ وأما من أوجب القضاء والكفارة من الاستقاء فأبو ثور والأوزاعي وسائر من يرى أن الاستقاء مفطر لا يوجبون إلا القضاء فقط‏.‏ والذي أوجب القضاء والكفارة في الإحتجام من القائلين بأن الحجامة تفطر هو عطاء وحده‏.‏ وسبب هذا الخلاف أن المفطر بشيء فيه اختلاف فيه شبه من غير المفطر ومن المفطر‏.‏ فمن غلب أحد الشبهين أوجب له ذلك الحكم وهذان الشبهان الموجودان فيه هما اللذان أوجبا فيه الخلاف، أعني هل هو مفطر أو غير مفطر، ولكون الإفطار شبهة لا يوجب الكفارة عند الجمهور وإنما يوجب القضاء فقط، نزع أبو حنيفة إلى أنه من أفطر متعمدا للفطر ثم طرأ عليه في ذلك اليوم سبب مبيح للفطر أنه لا كفارة عليه كالمرأة تفطر عمدا ثم تحيض باقي النهار، وكالصحيح يفطر عمدا ثم يمرض والحاضر يفطر ثم يسافر، فمن اعتبر الأمر في نفسه أعني أنه مفطر في يوم جاز له الإفطار فيه لم يوجب عليهم الكفارة، وذلك أن كل واحد من هؤلاء قد كشف له الغيب أنه أفطر في يوم جاز له الإفطار فيه، ومن اعتبر الاستهانه بالشرع أوجب عليه الكفارة، لأنه حين أفطر لم يكن عنده علم بالإباحة، وهو مذهب مالك والشافعي‏.‏ ومن هذا الباب إيجاب مالك القضاء فقط على من أكل وهو شاكّ في الفجر، وإيجابه القضاء والكفارة على من أكل وهو شاك في الغروب على ما تقدم من الفرق بينهما‏.‏ واتفق الجمهور على أنه ليس في الفطر عمدا في قضاء رمضان كفارة، لأنه ليس له حرمة زمان الأداء‏:‏ أعني رمضان، إلا قتادة فإنه أوجب عليه القضاء والكفارة‏.‏ وروي عن ابن القاسم وابن وهب أن عليه يومين قياسا على الحج الفاسد‏.‏ وأجمعوا على أن من سنن الصوم تأخير السحور وتعجيل الفطر لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏ لا يزال الناس بخير ما عجلوا الفطر وأخروا السحور‏"‏ وقال ‏"‏تسحروا فإن في السحور بركة‏"‏ وقال عليه الصلاة والسلام ‏"‏فصل ما بين صيامنا وصيام أهل الكتاب أكلة السحر‏"‏ وكذلك جمهورهم على أن من سنن الصوم ومرغباته كف اللسان عن الرفث والخنا لقوله عليه الصلاة والسلام ‏"‏إنما الصوم جنة، فإذا أصبح أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل، فإن امرؤ شاتمه فليقل إني صائم‏"‏ وذهب أهل الظاهر إلى أن الرفث يفطر وهو شاذ فهذه مشهورات ما يتعلق بالصوم المفروض من المسائل وبقي القول في الصوم المندوب إليه، وهو القسم الثاني من هذا الكتاب